سلفتي
. ارجعيلي وما تضيعيش العيلة!” نظرت إلى الشاشة بجمود، ثم أغلقت الهاتف تمامًا. مع حلول الصباح، كنت أقف أمام باب المستشفى العام حيث يرقد الحاج عبد الجواد. لم أكن قاسية للحد الذي يمنعني من عيادة رجل مسن كان صاحب أبي، لكنني لم أعد تلك المرأة الضعيفة التي تُستغل. عند باب الغرفة، كان طارق يجلس على الأرض، وجهه شاحب، وعيناه غائرتان، وثيابه مجعدة ومجردة من كل مظاهر التأنق والتكبر. بمجرد أن رآني، قفز من مكانه وارتمى عند قدمي أمام الأطباء والممرضين: – “نورهان! سامحيني.. أرجوكِ انقذينا، الشمع الأحمر اتعلق على الشركة والبنك جمد الحسابات، والمحامي قال إن في بلاغ للنيابة بتهمة التبديد واختلاس أموال الشراكة!
أقسم بالله مستعد أكتبلك كل حاجة باسمك، بس ما تحبسنيش!” نظرت إليه من الأعلى، خالية تمامًا من أي مشاعر، ورفعت رأسي بثبات: – “استنظف كلامك يا طارق.. مش أنا اللي أحبسك، أفعالك وإيدك اللي اتمدت على حق غيرك هي اللي بتحبسك. زي ما هان عليك كبريائي وأكلي وذكرى أبويا، هان عليك شرفك المالي.” خرج الطبيب في تلك اللحظة ليبلغهم بأن حالة الحاج عبد الجواد استقرت، لكنه يحتاج لعملية عاجلة تكاليفها باهظة في مستشفى خاص، والحسابات البنكية الخاصة بالعائلة جميعها متوقفة بقرار النيابة تحفظيًا!
نظر إليّ طارق بعينين ميتتين، يتوسل بقايا الرحمة في قلبي: – “نورهان.. أبويا بيموت، الحسابات مقفولة وما حيلتيش ولا مليم سائل أدفعه للمستشفى.. كفالة أبويا في إيدك.” أخرجت دفتر شيكاتي الخاص من حقيبتي، وكتبت الشيك بالقيمة المطلوبة للعملية، ثم نظرته في عينيه وقدمت الشيك له بشرط واحد هز كيانه: – “الشيك ده مقابل تنازلك النهائيات عن باقي حصتك في الشقة والعمارة.. تتنازل وتخرج بره حياتي بلباسك اللي عليك، ساعتها بس أبوك يدخل العمليات!
” سقطت ورقة الشيك من يد طارق لثوانٍ قبل أن يلقفها بأصابع ترتجف، ينظر بين الرقم المكتوب وبين نبرة صوتي التي لم تدع له منفذًا للمناورة. كانت ملامحه تختزل كل صور الانكسار والمهانة؛ الفتى الذي كان بالأمس يتطاول ويتبجح بإتيكيت عائلته الموهوم، يقف اليوم مسلوب الإرادة، يساوم على أنفاس أبيه بثمن غروره ورعايته الزائفة. رفع عينيه الممتلئتين بالدموع، وصوته يخرج بحشرجة مكتومة: – “التنازل عن كل حاجة يا نورهان؟ عايزة تجرديني من كل حيلة وتخرجيني ملط في الشارع؟” اقتربت منه خطوة واحدة، ونظرت في عينيه بجمود أصلب من الفولاذ: – “أنا ما جردتكش من حاجة يا طارق.