مراتي مدرسه حكايات روماني مكرم
بدأت باللعب على الوتر الأكثر لدى عاصم: صلة الرحم وإحساس الذنب. قطعت الاتصال به تماماً، وامتنعت عن الرد على مكالماته الهاتفية. وحينما كان يذهب إلى بيتها محاولاً التودد واستسماحها، كانت تترك الجيران له الباب ليخبروه بأنها “وطريحة بسبب حزنها على ابنها”.
انتشرت الأخبار في العائلة كالنار في الهشيم. بدأت الاتصالات تترادف على عاصم من في الصعيد وفي القاهرة؛ اتصالات توبخه وتصفه بـ “فضل مال زوجته على رضا أمه جبهتها. كان الموقف يضغط على عاصم بشكل يومي، ويجعله يعيش من النفسي .
في إحدى الليالي، عاد عاصم إلى البيت وجهه شاحب وعيناه محاطتان بهالات سوداء. جلس على الأريكة دون أن يخلع حذاءه، وغطى وجهه بيديه. اقتربت منه نجلاء وهي تحمل كوباً من الماء، وقفت أمامه وقالت بنبرة هادئة لكنها فاحصة:
“وبعدين يا عاصم؟ هفضل شايفاك بتموت كل يوم بالبطيء عشان تمثيلية أمك؟”
رفع عاصم رأسه، وكانت نظراته مزيجاً من العتاب والعجز:
“دي مش تمثيلية يا نجلاء.. أمي فعلاً تعبانة، الضغط عندها مش مستقر، والناس كلها بتاكل في وشي. أنتِ مش حاسة بالحمل اللي عليا، أنا حاسس إني مقسوم نصين، نص مع بيتي وعيالي، ونص تحت رجلين أمي اللي خايف وهي غضبانة عليا.”
جلس نجلاء أمامه ورتبت على ركبتيه بصلابة:
“أنا حاسة بيك أكتر من أي حد يا عاصم، بس لازم تفهم الفرق بين الفعلي، وبين استغلال المرض عشان تتلوى إيدك. أمك مش عيانة من الحزن، أمك عيانة لأنها مش قادرة تتقبل إن فشلت، وإنك بقيت راجل ليك كلمة وبيتك له حرمة. لو ضعفت دلوقتي، كل اللي عملناه يتهد، وهنرجع لنقطة الصفر، بس المرة دي هتكون النتيجة البيت بجد.”
لكن القشة التي قصمت ظهر البعير جاءت بعد أسبوع واحد. استغل مازن حالة التوتر، وبدعم من أمه وبتحريض من العم متولي، قرر اتخاذ خطوة لإحراج عاصم ونجلاء فرضاً للأمر الواقع.
في يوم الجمعة، وبينما كانت نجلاء تجهز الغداء وأبناؤها يدرسون في غرفهم، رن جرس الباب بقوة واستمرار. فتح عاصم الباب ليفاجأ بمازن يقف في الممر ومعه خطيبته ووالدها، وحقائب سفر صغيرة!
دخل مازن بدنس ورعونة وقال بصوت عالٍ ليسمع من في البيت:
“ازيك يا عاصم.. معلش جينا على . حمايا أصر ييجي يشوف اللي هنأجرها من نجلاء هانم، وعشان نكتب العقد الابتدائي ونخلص، أصلنا خلاص حددنا ميعاد الفرح البرانية غالية علينا!”