بعد 17سنة حكايات كنزي

إزاي أتكلم عن ڠضبي من غير ما أجرح البنات، وهي كانت بتتعلم إنها تتحمل نتيجة قرارها من غير ما تستخدم خۏفها كعذر. أما سامح فاختفى من حياتنا. حاول يتصل بي مرة، لكني ما رديتش. وبعد شهور قابلته صدفة عند والدتي. وقف بعيد، وقال أنا عايز أعتذر. قلت له اعتذارك مش هيرجع اللي اتكسر. قال عارف. قلت لكن فيه حاجة واحدة لازم تفهمها. أنت ما كنتش بس بتخون أخوك. أنت كنت بتخون ثقة راجل كان شايفك سند ليه. نزل عينه وقال عارف. قلت وأنا مش هطلب منك تعاقب نفسك طول عمرك، لكن أنا هختار أبعد عنك. قال حقك. ومشى. مر وقت طويل قبل ما أقرر مصير جوازي. في النهاية، ما رجعتش الأمور زي ما كانت، لكني ما هدمتش البيت في لحظة ڠضب. قلت لمراتي إن استمرارنا مع بعض له شروط الصراحة الكاملة، قطع أي علاقة مع سامح، عدم استخدام البنات كوسيلة ضغط، وعدم الكذب مرة تانية مهما كانت الحقيقة مؤلمة. وافقت. بدأنا من جديد، لكن بداية مختلفة. مش بداية زوجين نسيوا اللي حصل، بل زوجين عارفين إن الثقة محتاجة وقت عشان ترجع. وبعد سنة تقريبًا، رجع موضوع الطفل للحديث من جديد. مراتي قالت لي لو لسه نفسك في ولد، ممكن نراجع الدكتور. ضحكت وقلت عارفة إيه اللي اكتشفته؟ قالت إيه؟ قلت أنا كنت فاكر إن الولد هو اللي ناقصني. سكتت. قلت طلعت أنا عندي أربع بنات، وكل واحدة فيهم كانت كل اللي محتاجه، بس أنا كنت بدور على حاجة مش ناقصاني أصلًا. دمعت عينيها. قالت يعني مش عايز؟ قلت لو ربنا كتب لنا طفل، هنستقبله، لكن مش هعمل أي حاجة عشان أهرب من فكرة إن عندي بنات. وفي النهاية، ما عملناش حقن مجهري. مش لأننا خايفين من التحاليل، ولا لأننا بقينا مش عايزين ولد، لكن لأننا فهمنا إن الإنسان ساعات يقضي عمره كله يجري ورا حاجة فاكر إنها هتخليه سعيد، وفي الطريق ينسى النعم اللي موجودة قدامه. وبعد سنوات، كبرت بناتي. واحدة دخلت الجامعة، والتانية بدأت شغلها، والتالتة بقت بتحضر لفرحها، والرابعة لسه أصغرهم وكانت دايمًا أقرب واحدة ليا. وفي يوم، كنت قاعد في الصالة، فدخلت بنتي الكبيرة وحطت إيدها على كتفي وقالت بابا، فاكر لما كنت عايز ولد؟ ضحكت وقلت فاكر. قالت دلوقتي لسه عايز؟ بصيت على أخواتها اللي كانوا قاعدين حواليا وقلت أنا عندي أربعة أولاد. ضحكت وقالت إحنا بنات يا بابا. قلت لا، أنتم أولادي، والباقي كله كلام. وقتها فهمت إن المصېبة اللي بدأت بتحليل، واللي كنت فاكر إنها هتدمر حياتي، علمتني حاجة أهم من كل اللي كنت فاكره عن العيلة. أنا خسړت ثقتي في شخصين، لكني ما خسرتش بناتي. وعرفت إن الډم مش دايمًا هو اللي بيحدد معنى الأبوة، وإن الأب الحقيقي هو اللي يشيل أولاده في مرضهم، ويقف جنبهم في خوفهم، ويفرح بنجاحهم، ويكمل معاهم حتى لما الدنيا تضيق. أما الخېانة فكانت جرحًا لن أنكره، ولن أقول إن نسيانه سهل، لكنه كان درسًا جعلني أعرف قيمة الصراحة، وقيمة الإنسان اللي يقف جنبك من غير ما يطلب منك حاجة. وأما موضوع الولد، فبعد كل اللي حصل، بقيت أضحك لما حد يقولي لسه نفسك في ولد؟ وأقول له أنا كنت فاكر إن المشكلة في إن خلفتي كلها بنات، لكن اكتشفت إن المشكلة كانت في دماغي أنا، لأني كنت
شايف النعمة ناقصة لمجرد إنها جت بالشكل اللي أنا ما كنتش متوقعه. وفي آخر يوم من كل سنة، كنت أجمع بناتي الأربعة حواليا، وأبص لهم واحدة واحدة، وأفتكر اليوم اللي كنت فيه ماسك نتيجة التحليل وإيدي بتترعش، وأفتكر إزاي كنت فاكر إن الورقة دي هتحدد إذا كنت أب ولا لأ. لكن الحقيقة إن الورقة أثبتت لي إن البنات الأربعة بناتي، والأهم إنها أثبتت لي إن الأبوة عمرها ما كانت مجرد تحليل. وفي نفس الوقت، أثبتت لي إن الكذبة مهما طال عمرها، بييجي يوم وتلاقي بابًا صغيرًا تدخل منه الحقيقة. وأنا كنت فاكر إن أكبر مصېبة اكتشفتها هي خېانة مراتي مع أخويا، لكن المصېبة الأكبر كانت إني عشت سبعتاشر سنة وأنا بخاف أخسر شيء لم يكن ناقصًا من الأساس. وعشان كده لما بنتي الصغيرة سألتني في يوم بابا، لو كان عندك ولد كنت هتحبنا أقل؟ قربتها مني وقلت لها أنا كنت فاكر زمان إن الولد هيخليني أسعد، لكن دلوقتي عرفت إن السعادة كانت قاعدة قدامي أربع مرات وأنا مش واخد بالي. حضنتني وقالت يعني إحنا كفاية؟ قلت لها إنتوا مش كفاية وبس، إنتوا كل اللي عندي. ومن يومها، كل ما أفتكر بداية الحكاية، أفتكر الجملة اللي بدأت بيها كل المصېبة عشان خلفتي كلها بنات… وأضحك بيني وبين نفسي، لأنني اكتشفت بعد سبعتاشر سنة إن البنات ما كانوش أبدًا سبب المشكلة، وإن الولد ما كانش أبدًا الحل، وإن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، أرحم بكتير من حياة كاملة مبنية على كڈبة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *