بعد الاربعين

بعد الأربعين، حماتي طلبت مني أعيش مع ضرتي في نفس الشقة، وقالت بصوت ما فيهوش مجال للنقاش جوزكم واحد واټوفي لكن عيالكم إخوات، والأصول بتقول تقفلوا عليكم باب واحد وتلموا العيال.
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. عبير؟ أعيش مع عبير في شقة واحدة؟! الشتيمة اللي كانت بيننا، والمكائد اللي اتدست في المطبخ، والتلقيح اللي كان بيولع البيت لما كان سامح الله يرحمه عايش.. كل ده يتمسح بنصيحة من حماتي؟
بصيت لعبير.. كانت واقفة جنب الباب، لابسة الأسود، ووجهها شاحب وخالي تمامًا من أي تعبير. ما اتكلمتش ولا كلمة، بس هزة راسها البطيئة كانت معناها إنها موافقة، أو يمكن مستسلمة. وأنا، عشان خاطر ولادي وعشان ما أطلعش في نظر العيلة الست المفترية اللي بتكسر كلام الكبار، وافقت. جمعت هدومي وهدوم ولادي، ونزلت شقتها في الدور الأرضي.
أول كام يوم كانوا عبارة عن حرب باردة. الهدوء في الشقة كان مرعب، أطول من صمت المقاپر. كل واحدة فينا بتتحرك بحذر، عينينا بتتقابل في الممر فنلف وشنا، وولادنا قاعدين في الصالة خايفين يتكلموا بصوت عالٍ عشان ما يشعللوش الڼار اللي تحت الرماد.
لكن في اليوم الخامس، سامح الله يرحمه سبلنا حاجة ما كانتش على بال حد.
كنت صحيانه الفجر، عطشانة. خرجت المطبخ بهدوء عشان ما أصحّيش حد. الشقة كانت ضلمة كحل، بس النور اللي جاي من الصالة كان ضعيف. اتفاجئت بعبير قاعدة على الأرض قدام دولاب الصالون القديم بتاع سامح، الدولاب اللي كان دائمًا مقفول بالمفتاح ومعلق المفتاح في سلسلة رقابته لغاية يوم ۏفاته.
عبير كانت بټعيط.. بس مش بكاء حزن، ده كان شهيق خناق وړعب. ويديها المرتعشة ماسكة صندوق خشب صغير كانت فتحاه بالمفك.
أول ما سمعت خطوتي، اټفزعت وحاولت تخبي الصندوق ورا ضهرها، وهي بتقول بصوت مقطوع ما… ما تصوريش حاجة غلط يا ندى! أنا كنت بدور على أوراق التأمين عشان العيال!
قربت منها بثبات، والڼار بدأت تشتعل في صدري. مسكت إيدها بقوة وسحبت الصندوق. جوه الصندوق ما كانش فيه عقود ملكية، ولا فلوس، ولا شهادات ميلاد…
كان فيه دفتر مذكرات صغير بغلاف أزرق بخط سامح، وتحته ثلاثة أظرف مقفولة بالجمع الأحمر، مكتوب على كل ظرف اسم
الظرف الأول ل ندى
الظرف الثاني ل عبير
أما الظرف الثالث، فكان مكتوب عليه بخط يده العريض والمظلم
للي هتفضل حية فيكم بعد ما تقروا الدفتر ده.. سامحوني، أنا ما متّش بمۏتي، أنا اټقتلت.
في اللحظة دي، سمعت صوت مفتاح بيلف في باب الشقة الخارجي يرافقها حركة أكرة الباب اللي بدأت تنزل بشويش.. رغم إن الباب مقفول من جوة بالترباس!
الصوت ده جاب لي قشعريرة في كل جسمي. يدي سابت الصندوق من غير ما أحس، والدفتر والظروف وقعت على الأرض بيننا. عبير قامت من مكانها بسرعة، وشعرها اللي كان معقود نزل على كتفيها، وعيناها اتسعت كأنها شافت شبح.
مين ده؟ همست بصوت مسموع بالكاد، وهي بتتلفت حولها كأن الحيطان نفسها بتتحرك. الباب مقفول من جو.. أنا قفلته بنفسي قبل ما أنام.
الكرة الحديدية بتاعت الترباس كانت بتتحرك ببطء.. صوت احتكاكها المعدني الخشن ملأ الشقة كلها، وقلبي كان بيخفق لدرجة حسيت إنه هينفجر من مكانه. مسكت إيد عبير بكل قوتي، وسحبتها ورايا لحد ما وقفنا جنب الحائط قريب من الباب، بعيد شوية عن مدخل الصالة.
الأكرة نزلت للآخر.. ثم سمعنا صوت خطوة خفيفة، ثم صوت تنفس. الباب اتفتح شويه، وشوفنا طرف رجل.. ووجه لم أتوقعه أبداً في حياتي.
كان كريم.. أخو سامح الأصغر. اللي كان

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *