بعد الاربعين

الفصل الخامس الباب المفتوح
مرت سنة كاملة من ذلك اليوم. الشقة اللي كنت خائڤة أدخلها وأعيش فيها صارت بيتنا الكبير. الباب اللي كان مقفول بالترباس من الداخل صار دائماً مفتوحاً بالحب والثقة. العيال كبروا شوية، وصاروا يلعبوا مع بعض كأخوة، ولا أحد يفرق بين ولادي وولادها.
في مساء أحد الأيام، كنت أنا وعبير جالسين في الشرفة، والهواء الطلق بيجي علينا، والنجوم بتضيء السماء. كانت تمسك كوب شاي، وقالت لي فجأة
تتذكري أول يوم نزلتي فيه هنا؟ كنت حاسة إنك جاية تحتلّي بيتي، وكنت مستعدة أقاتلك في كل حاجة.
ضحكت بصوت خفيف وقلت لها وأنا كنت جاية ومعايا كل الحقد والخۏف، وقلت في قلبي ما هعيش مع هذه المرأة يوم واحد من غير ما نتشاجر. واليوم ما أتصور حياتي من غيرك.
التفتت لي وعيناها لامعة سامح كان عارف.. عارف إننا لازم نكون مع بعض. ما كانش طلب مننا نعيش مع بعض عشان يرضي أمه بس.. ده كان عارف إننا ما نقدرش نواجه الحياة لوحدنا. جمعنا عشان نكمل بعض.
وفي تلك اللحظة، شعرت بوجود سامح معانا في المكان، يبتسم ويرتاح باله. لم يكن مجرد ذكرى في الماضي، بل كان حياً في الخير اللي نعيشه، وفي الحب اللي جمعنا بعد ما تفرقنا.
كريم كان يزورنا دائماً، وصار كالعم والأب للعيال كلهم. ساعدنا في ترتيب أمورنا المالية، واستردنا كل ما لنا من حقوق، وبنينا حياة جديدة على أنقاض الماضي المؤلم.
حماتي كانت كل ما تيجي تجلس معنا، تقول لنا بكل فخر قلتلكم من الأول.. العيال إخوة، والأصول بتقول تقفلوا عليكم باب واحد. والباب ده ما يتقفلش إلا على الخير.
والباب فعلاً ما اتقفل إلا على الخير.. لم يعد باباً نغلقه على أنفسنا خوفاً من العالم الخارجي، بل

صار بيتاً مفتوحاً يملأه الأمان والدفء. تعلمنا أن العداوة ما تيجي إلا من الجهل والخۏف، وأن أقوى سلاح عندنا هو الصدق والترابط.
بقيت الظروف الثلاثة في دولاب الصالون القديم.. دفتر سامح، والظروف، والذكريات. لا نفتحها كل يوم، لكننا نعرف أنها موجودة، كأنها عهد بيننا وبينه.. عهد بأن نظل إخوات مهما حصل، وأن الحق سينتصر في النهاية.
والحياة تمشي.. بكل ما فيها من حزن وفرح، من خوف وأمان. ونحن نمشي معها، يداً بيد، نحمل الأمانة اللي سابها لنا من أحببناه، ونكمل الطريق واثقين أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
وما كان بيننا من فراق وخلاف، صار ذكرى نتعظ بها ونضحك عليها أحياناً، ونقول دائماً الحمد لله اللي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *