مرات ابني حكايات روماني مكرم
وقف محمود في نص الصالة يتفرج على الفراغ اللي سابته مروة وراها. صوت باب اللي اتراخى بالراحه كان أشد من صوت هبدته. أمه فاطمة كانت واقفة جنبه، عينيها بتتطوح بين العقد اللي حطته مروة على الترابيزة وبين وش ابنها اللي اسودّ من التفكير والزنقة.
فاطمة حاولت ترمم كبرياء ابنها المكسور، قربت منه وحطت إيدها على كتفه بنبرة فيها حيرة متغطية بتكبر:
“ولا يهمك يا محمود.. بتلوي دراعك ؟ دي إنت تعبت فيها ودخلت فيها عفش بمئات الآلاف، مش هتقدر ترميك في الشارع! ده كلام يخوفك بيه عشان ترجع تبوس إيدها.. خليك ناشف، المرأة لما تلاقي جوزها نشف، بتطرى وتبطأ.”
محمود رفع راسه وبص لأمه بعيون فيها كمية قهر ومشاعره متلخبطة:
“تطرى إيه يا أمي؟ مروة مش من النوع ده! مروة لما بتاخد قرار بالورقة والقلم مابترجعش فيه! إنتِ مش فاهمة، الشقة دي فعلاً بعقد باسمها وهي اللي دافعة مقدمها من شغلها قبل الجواز، وأنا كتبتها باسمها عشان أثبتلها إني شاريها.. دلوقتي كل حاجة دارت عليا! المصاريف اللي كانت بتشيلها معايا أكتر من مرتب المعمل مرتين! مدارس العيال للغات، الدروس، النادي، السوبر ماركت.. أنا هجيب منين كل ده؟”
فاطمة اتنرفزت وقالت بصوت عالي:
“جرى إيه يا محمود؟ إنت نسيت إنك راجل ولا إيه؟ هتعيش تحت ضرسها عشان قرشين؟ إنت ترفع قضية! ولا تروح لأبوها وأمها وتفضحهم، قولهم بنتكوا طالعة عمرة بفلوسها وسايبة جوزها وبيتها يستلفوا!”
في الوقت ده، مروة كانت وصلت شركتها. قعدت على مكتبها المكيف، فتحت اللابتوب، بس قبل ما تبدأ شغل، مسكت تليفونها واتصلت بأبوها.
“صباح الخير يا بابا.. كل حاجة جاهزة، الباسبورات والتذاكر وحجز الفندق في مكة والمدينة على أعلى مستوى.. الشهر الجاي هتنوروا بيت الله الحرام.”
صوت أبوها كان مليان دموع وفرحة:
“ربنا يباركلي فيكي يا مروة يا بنتي، ربنا يرزقك من وسع ويصلح حالك وحال جوزك وعيالك.. بس يا بنتي محمود أخباره إيه؟ مش زعلان إنك عملتي كده من غير ما تقوليله؟”
مروة ابتسمت بوجع ونبرة حاسمة:
“محمود عارف يا بابا، ومفيش أي مشاكل.. إنتوا شقيتوا عشان أكون في المكانة دي، وده أقل حق ليكم عليا.”
قفلت مروة مع أبوها، وبدأت تتصل بشركة الخدمات وسددت مصاريف الباص والمدارس بتاعة العيال للترم الجديد كاملة من حسابها، لكن عملت حاجة واحدة بس مختلفة: غيرت رقم التواصل والمسؤول المالي في ملف العيال بالمدارس، وحطت رقم محمود ورقم أمه!