بيت العائلة

لماما، ليه موقفهاش؟
بص لي وقال
وإنتِ مش عارفة لسان منى؟ أنا هعرف أسكتها يعني؟
قلت
آه، تعرف. دي مراتك.
مردش.
وبعدين هز كتفه.
وبعدين فيها إيه يعني؟ نقسم نقسم. كده كده كنا هنستقل في يوم.
الجملة دي بردت قلبي.
يعني في نظره، أبويا هو اللي مكبر الموضوع.
مفيش مشكلة إن مراته تقعد تحاسب أمه على كيلو جمبري.
المشكلة إن أبويا زعل!
في اللحظة دي أحمد خرج من أوضته، ماسك كباية وداخل يشرب ميه.
شافنا ووقف.
محمود… بابا بجد ناوي يقسم؟
قال محمود
أيوه.
طب هيقسم إزاي؟
لما الناس كلها تصحى هنعرف.
بعد ما أبويا خلص سقي الزرع، غسل إيده وقعد على الكنبة القديمة في الصالة.
الكنبة دي عندنا من حوالي عشرين سنة.
الجلد بتاعها اتشقق من زمان، وكلنا قلنا له نغيرها.
لكنه كان دايمًا يقول
سيبوها… أنا اتعودت عليها.
الساعة قربت على عشرة لما منى خرجت أخيرًا من الأوضة.
كانت مغيرة هدومها، وشعرها مربوط بعناية، وحاطة ميكاب خفيف.
بصت ناحية المطبخ الأول.
وبعدين ناحية الصالة.
وقفت ثانيتين مترددة، وبعدها راحت لأبويا.
يا عمي.
أبويا مبصلهاش.
قالت بنبرة مختلفة تمامًا عن امبارح
أنا امبارح اتكلمت من غير ما أفكر. حضرتك متزعلش مني.
أبويا رد وهو لسه باصص قدامه
الكلام اللي بيتقال بعد تفكير… هو اللي بيوجع أكتر.
وشها اتغير.
والله يا عمي أنا مكنتش أقصد…
قصدك إيه مش مهم عندي.
قاطعها أبويا.
وبعدين رفع عينه وبصلها لأول مرة.
اللي يهمني أم محمود.
منى سكتت.
قال
الست دي عاشت معايا أكتر من تلاتين سنة.
خدمت أبويا وأمي.
وربت ولادي.
وشالت البيت فوق دماغها.
وعمرها ما طلبت لنفسها حاجة.
وعمرها ما عاشت يوم مرتاحة.
وأشار ناحية المطبخ.
لما تشتري لنفسها ولا لولادها شوية أكل من معاش جوزها، محدش له عندها حساب.
منى فتحت بقها، لكنها معرفتش تقول حاجة.
في اللحظة دي أمي خرجت من المطبخ شايلة الفطار.
وكان على وشها نفس الابتسامة المعتادة.
يلا يا جماعة، الفطار جاهز. كلوا قبل ما يبرد.
بصيت لها.
لحد النهارده معرفش…
هل هي فعلًا مسمعتش الكلام؟
ولا سمعت كل حرف وعملت نفسها مسمعتش؟
أبويا قام من الكنبة وقعد على الترابيزة.
أخد رغيف وبدأ ياكل.
وبعدين قال
نادي مرات أحمد كمان.
بعد دقايق، كنا كلنا قاعدين حوالين نفس الترابيزة.
بس المرة دي الجو كان مختلف.
منى ماسكة طبقها ومش قادرة تاكل.
محمود راسه في طبقه.
أحمد وهبة ساكتين.
وأنا قاعدة مستنية أعرف أبويا ناوي يعمل إيه.
خلص أبويا أكله، شرب نص كباية الشاي، ومسح بقه بمنديل.
وبعدين قال
نتكلم.
صوته كان رسمي جدًا.
كأننا مش عيلة، وكأن دي جلسة حسابات.
ممتلكاتنا إيه، كلكم عارفين.
عندنا البيت القديم اللي إحنا قاعدين فيه ده.
وفي 2008 أنا وأمكم لمينا اللي معانا واشترينا شقة صغيرة أوضتين، مساحتها حوالي أربعين متر.
وفي 2012 اشترينا شقة تانية حوالي ستين متر.
سكت لحظة.
وبعدين قال
يعني عندنا تلات أماكن.
ورفع عينه.
وعندي ولدين وبنت.
بص لمحمود.
وبعدين لأحمد.
وقال
الشقة الستين متر تبقى لمحمود.
والشقة الأربعين متر تبقى لأحمد.
وبعدين بص لي.
والبيت القديم ده أفضل أنا وأمكم قاعدين فيه طول ما إحنا عايشين.
سكت ثانية.
بعد عمر طويل، لو البيت دخل إزالة أو اتعمل له تعويض، أو إحنا متنا قبليها… البيت ده يبقى لسارة.
المعلقة وقعت من إيد منى على الترابيزة.
تك!
الصوت خلانا كلنا نبص لها.
قالت بسرعة
بس يا عمي… الشقة اللي حضرتك بتقول عليها لمحمود ستين متر بس! أوضتين وصالة، وإحنا عندنا طفل… هنعيش إزاي؟
وبعدين أشارت ناحية أحمد.
والشقة التانية أصلًا أربعين متر وشوية…
أبويا قاطعها
لو مش عاجباكي… متاخديهاش.
منى سكتت فورًا.
محمود رفع راسه أخيرًا.
بابا… طب ما نتفاهم شوية؟ يعني ممكن نعيد التقسيمة…
أبويا بص له.
امبارح على السفرة، لما مراتك كانت بتحاسب أمك على الفلوس اللي بتصرفها… حد فيكم قال نتفاهم؟
محدش رد.
حتى محمود نزل عينه.
بعد لحظات، أحمد اتكلم بتردد
طب يا بابا… إنت وماما هتفضلوا في البيت القديم ده؟
أيوه.
بس البيت بقى قديم جدًا. الكهربا نفسها محتاجة تتغير، والمرة اللي فاتت حصل ماس في المطبخ. يعني على الأقل ممكن إنت وماما تاخدوا الشقة الأحسن…
أبويا رد بثلاث كلمات
لسه مش هنموت.
وبعدها قام.
أخد كباية الشاي، ومشى ناحية البلكونة.
وخلاص.
التقسيمة اتحسمت.
بالسهولة دي.
أو على الأقل…
إحنا كنا فاكرين إنها اتحسمت.
منى كان وشها أخضر من الغيظ.
قامت من على السفرة، مسكت محمود من دراعه ودخلت بيه الأوضة.
الباب اتقفل.
لكن صوتها كان واصل.
كانت بتتكلم بسرعة جدًا وبصوت واطي، كأنها بتحاول تقنعه بحاجة.
ومحمود كان كل شوية يرد
حاضر.
أو
ماشي.
أو
هشوف.
وقفت في الصالة وبصيت ناحية باب أوضتهم.
مكنتش سامعة منى بتقول إيه بالضبط.
لكن كان عندي إحساس غريب جدًا إن موضوع كيلو الجمبري وتقسيم البيوت…
مكنش غير البداية.
الجزء الثاني
عدّى حوالي نص ساعة، وباب أوضة محمود ومنى اتفتح.
خرج محمود الأول.
وشه كان متغير.
مش غاضب.
ولا مكسوف.
لكن كان واضح إنه داخل يقول كلام هو نفسه مش مرتاح له.
منى خرجت وراه، وقعدت على الكنبة وهي ماسكة موبايلها.
أبويا كان لسه في البلكونة.
وأمي في المطبخ بتلم الأطباق.
محمود نادى
يا بابا… ممكن نتكلم؟
أبويا دخل، حط كباية الشاي على الترابيزة، وقال
اتكلم.
محمود بلع ريقه.
بص يا بابا… أنا مش معترض على إننا نستقل. بالعكس، ده حقك. بس التقسيمة نفسها محتاجة مراجعة.
أبويا رفع حاجبه.
مراجعة من أي ناحية؟
منى دخلت في الكلام بسرعة
يعني مثلًا البيت القديم ده أكبر وأغلى من الشقتين بكتير. وسارة بنت، وبكرة تتجوز وتروح بيت جوزها…
قبل ما تكمل، أبويا بص لها.
بس.
نظرة واحدة.
سكتت.
قال لها
كملي.
منى اتلخبطت.
أنا… قصدي يعني محمود وأحمد ولادك، وكل واحد فيهم عنده بيت وأسرة وأطفال. طبيعي هما اللي ياخدوا النصيب الأكبر.
أبويا سألها
الطبيعي عند مين؟
عند الناس كلها.
الناس كلها مين؟
منى اتضايقت.
يا عمي ما إحنا مش هنقف على كل كلمة.
أبويا قرب الكرسي وقعد.
لأ، هنقف.
وبص لمحمود.
الكلام ده رأيك أنت؟
محمود اتردد ثواني.
وبعدين قال
بصراحة… آه.
وقتها حسيت إن حاجة جوايا وقعت.
مش عشان البيت.
أنا أصلًا مكنتش بفكر في ميراث ولا ملكية.
لكن عشان الطريقة.
أمي كانت لسه واقفة عند باب المطبخ.
أول ما سمعت كلام محمود، بصت له بصّة طويلة.
وبعدين رجعت تكمل شغلها كأنها مسمعتش.
أبويا قال
طيب.
وبعدين قام، دخل أوضته، ورجع بعد دقيقتين شايل ملف بلاستيك أزرق.
حطه قدامنا.
منى بصت له بفضول.
أبويا فتح الملف.
طلع منه أوراق قديمة.
إيصالات.
عقود.
دفاتر.
وكشف حساب بنكي.
قال
قبل ما نقسم البيوت، خلونا نقسم الحكاية من أولها.
محدش اتكلم.
مسك أول ورقة.
الشقة اللي قلت هتبقى لمحمود… تعرفوا اتجابت إزاي؟
محمود قال
من تحويشة حضرتك وماما.
أبويا ضحك ضحكة خفيفة مفيهاش أي فرحة.
تحويشة؟
وقلب الورقة ناحية محمود.
دي ورقة بيع دهب أمك.
أمي رفعت راسها بسرعة.
قالت
يا جلال، خلاص…
أبويا قال
لأ يا فاطمة. مش خلاص.
وبص لنا.
سنة 2012 لما اشترينا الشقة، كان ناقصنا مبلغ كبير.
وأشار لأمي.
أمكم باعت الغوايش بتاعتها كلها.
منى بصت في الورقة.
أبويا كمل
والغوايش دي كانت آخر حاجة معاها من جهازها.
محمود سكت.
أبويا طلع ورقة تانية.
دي إيصالات جمعيات كانت أمكم داخلة فيها.
ورقة تالتة.
ودي فلوس مكافأة نهاية خدمتي.
وبعدين طلع دفتر صغير قديم، لونه أخضر.
رماه قدام محمود.
وده دفتر مصاريف البيت من سنة 2015.
منى مدّت إيدها.
فتحت أول كام صفحة.
كل صفحة فيها أرقام صغيرة، وتواريخ، وملاحظات بخط أمي.
دواء محمود.
مصروف مدرسة يوسف.
قسط التلاجة.
كهربا.
لحمة الجمعة.
سلفة لمحمود.
منى بدأت تقلب أسرع.
فجأة وقفت.
بصت لمحمود.
إيه ده؟
محمود قرب منها.
وشه اتغير.
منى قالت
إيه سلفة

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *