بيت العائلة

محمود 4000… ودفعة بطاقة محمود 6800… وقسط عربية محمود 2500؟
بصت له.
إنت كنت بتاخد فلوس من البيت؟
محمود قال بسرعة
كانت ظروف قديمة.
أبويا قال
قديمة؟
طلع كراسة تانية.
طب دي جديدة.
فتحها.
الشهر اللي فات 3000 لمحمود.
الشهر اللي قبله 4500 لمحمود.
قبلهم 2000.
منى بدأت تبص له وهي مصدومة بجد.
إنت بتاخد من مامتك فلوس كل شهر؟
محمود اتعصب.
يا منى ما تكبريش الموضوع!
أبويا قال
سيبها تكبره.
وبص لمنى مباشرة.
إنتِ امبارح كنتِ بتقولي لفاطمة إنتِ ماسكة مصروف البيت لينا كلنا.
صح؟
منى ماردتش.
وقلتي لها حرام تبعزقي الفلوس.
منى وشها احمر.
أبويا كمل
طب تحبي تعرفي أكتر واحد في البيت ده أخد فلوس من أم محمود مين؟
محمود ضرب بإيده على الترابيزة.
خلاص يا بابا!
الصوت دوّى في الصالة.
أمي خرجت من المطبخ.
وأحمد وقف.
لكن أبويا فضل قاعد.
وقال بهدوء
ليه خلاص؟
مراتك كانت بتحاسب أمك على كيلو جمبري قدامنا كلنا.
يبقى الحساب يتم قدامنا كلنا.
محمود كان نفسه عالي.
قال
أنا ابنك!
أبويا رد
وهي أمك.
الجملة نزلت زي الحجر.
منى كانت لسه ماسكة الدفتر.
وبعدين قالت
محمود… هو الكلام ده أنا مكنتش أعرفه؟
محمود لف لها.
دي فلوس بسيطة.
بسيطة؟
رفعت الدفتر.
إنت من كام شهر بتقولي إن مرتبك كله بيروح في البيت!
محمود سكت.
فهمت في اللحظة دي ليه وش منى كان بيتغير.
هي كانت فاكرة إن كل فلوس جوزها بتدخل بيتهم.
وفاكرة إن أمي بتصرف كتير من الفلوس المشتركة.
لكن الحقيقة إن جوزها نفسه كان بيسحب من أمي من وراها.
منى قالت بعصبية
ليه؟!
محمود انفجر
عشان عندي أقساط!
أقساط إيه؟
حاجات!
حاجات إيه يا محمود؟
فضل ساكت.
أبويا دخل إيده في الملف.
طلع كشف حساب.
وحطه قدام منى.
اسأليه عن دي.
منى مسكت الورقة.
قرأت.
وبعدين بصت له كأنها مش فاهمة.
تحويلات؟
بدأت تعد بعينيها.
12 ألف…
8 آلاف…
15 ألف…
10 آلاف…
وبصت له.
الفلوس دي راحت فين؟
محمود قال
دي حاجة تخصني.
منى قامت واقفة.
تخصك؟!
وإنت كل شهر بتقولي مفيش فلوس؟
وبتخليني أقول لمامتك نقلل المصاريف؟
أمي قالت لأول مرة
يا منى، اهدي يا بنتي.
منى لفت لها فجأة.
لا يا طنط، متدافعيش عنه!
سكتت لحظة.
وبعدين قالت بصوت مكسور
أنا كنت فاكرة إنكم بتصرفوا من مرتبه!
بصيت لها.
لأول مرة من امبارح، حسيت إن الحكاية مش بالشكل البسيط اللي كنت متخيلاه.
أبويا قال
التحويلات دي راحت لصاحب محمود.
منة سألته
صاحبك مين؟
محمود ما ردش.
أبويا كمل
داخل معاه تجارة بقاله سنة.
أحمد قال بدهشة
تجارة إيه؟
أجهزة مستعملة.
محمود رفع صوته
وأنا كنت بحاول أحسن دخلي!
أبويا رد
بفلوس أمك؟
أنا كنت هرجعها!
إمتى؟
محمود اتخرس.
أبويا قال
وكل مرة كنت تيجي تقول لأمك محتاج.
مرة قسط.
مرة دواء للولد.
مرة العربية.
مرة المدرسة.
وهي تديك.
أمي قاطعته بسرعة
يا جلال، أنا كنت بديه برضاي.
أبويا بص لها.
عارف.
وبعدين قال الجملة اللي خلتنا كلنا نسكت
ودي مشكلتك يا فاطمة.
أمي بصت له.
طول عمرك بتدي لحد ما اللي قدامك يفتكر إن ده حقه.
محمود قال
لا يا بابا، متقولش كده.
أبويا رفع صوته لأول مرة
أمال أقول إيه؟!
سكت البيت كله.
مراتك امبارح واقفة بتقول لأمك متشتريش جمبري!
وإنت قاعد ساكت!
وفي نفس الوقت إنت واخد من الست دي في آخر سنة لوحدها أكتر من تمن اللي بتكسبه!
منى نزلت عينيها.
أبويا رجع هدي.
عشان كده من النهارده مفيش مصروف بيت مشترك.
ومفيش حد ماسك فلوس حد.
ومفيش حد يحاسب أمكم على جنيه.
منى قالت بخجل
أنا… أنا آسفة يا طنط.
أمي ابتسمت لها.
خلاص يا بنتي.
لكن أبويا قال
لأ.
كلنا بصينا له.
خلاص دي هي اللي وصلتنا لهنا.
وبص لمنى.
الاعتذار يبقى لما الواحد يفهم غلطه، مش عشان خايف يخسر شقة.
منى اتلسعت من الكلمة.
قالت
أنا مش طمعانة في شقة.
أبويا رد
كويس.
وقفل الملف.
يبقى سهل عليكي تخرجي منها.
من نفس اليوم، بدأت الفوضى.
منى رفضت تكلم محمود.
ومحمود اتقلب على أبويا.
شايف إنه فضحه قدام مراته.
أما أحمد، ففضل ساكت أغلب الوقت.
بس في الليل دخل لأبويا.
أنا كنت قاعدة في الصالة، وسمعت جزء من كلامهم.
أحمد قال
يا بابا، أنا مش عايز الشقة.
أبويا رد
ليه؟
خلّيها ليك إنت وماما.
وأنا هتدبر.
أبويا قال
وإنت تختلف عن أخوك في إيه لو قبلت حاجة أمك تعبت فيها؟
أحمد سكت.
أبويا كمل
أنا مش بديكم صدقة.
أنا بقسم وأنا عايش عشان بعد ما أموت متتخانقوش.
خُد نصيبك واشكر أمك.
أنا مكنتش متعودة أشوف أبويا بيتكلم عن الموت.
الجملة ضايقتني.
لكن اللي معرفناش وقتها إن الكلام عن بعد ما أموت كان هيبقى قريب أكتر مما تخيلنا.
بعد أسبوع، محمود ومنى نقلوا شوية حاجات للشقة الجديدة.
الشقة كانت مقفولة من سنين.
اتنضفت واتدهنت بسرعة.
منى بقت أهدى.
اعتذرت لأمي كذا مرة.
لكن العلاقة بينها وبين محمود كانت اتشققت.
أما البيت القديم، فبقى أهدى.
لأول مرة من سنين، أمي دخلت السوق واشترت حاجة لنفسها.
سمكتين.
قالت
نفسي فيهم من زمان.
ضحكت وقلت
جيبي أربعة يا ماما.
ضحكت هي كمان.
لكن أبويا، وهو واقف جنبنا، قال
هاتي اللي نفسك فيه يا فاطمة.
الفلوس معمولة عشان نعيش بيها، مش عشان نموت وإحنا بنعدها.
بعدها بيومين…
أبويا وقع في البلكونة.
كنت أول واحدة شوفته.
كان ماسك صدره، ووشه أصفر.
صرخت.
أحمد جري.
طلبنا إسعاف.
وأمي كانت واقفة مكانها، لا عارفة تصرخ ولا تتحرك.
أبويا فتح عينه بصعوبة.
وبص لأمي.
وقال
متخافيش.
دي كانت آخر كلمة قالها قبل ما يغمى عليه.
في المستشفى، الدكتور قال إنها أزمة قلبية حادة.
دخل العناية.
ومحمود جه يجري.
منى كانت معاه.
وقفنا الساعات كلها قدام الباب.
أمي ما قعدتش.
ولا دقيقة.
كل شوية تقول
جلال هيطلع.
هو بس تعبان.
جلال عمره ما سابني لوحدي.
بعد ست ساعات، الدكتور خرج.
وأنا من وشه عرفت.
قبل ما يتكلم.
أبويا مات.
الجنازة عدت كأنها حلم أسود.
البيت اتملى ناس.
وبعدين الناس مشيت.
وفضلنا إحنا.
أمي قاعدة على نفس الكنبة القديمة.
ساكتة.
الكنبة اللي أبويا كان بيقول
سيبوها… أنا اتعودت عليها.
حسيت إن البيت كله بقى فاضي.
حتى وهو مليان.
بعد تلات أيام، وإحنا قاعدين، محمود قال
لازم نبص في الورق.
أنا رفعت راسي.
أحمد بص له.
منى زقته بخفة.
مش وقته يا محمود.
قال
أنا مش قصدي حاجة وحشة، بس لازم نعرف الوضع.
أمي كانت ساكتة.
سألته
وضع إيه؟
قال
التركات والعقود والحسابات.
اتجمدت.
أبويا مكملش أسبوع تحت التراب.
ومحمود بيتكلم عن التركة.
أحمد قال بعصبية
إنت مستعجل على إيه؟
محمود انفجر
وأنا قلت إيه؟! دي إجراءات طبيعية!
أمي قامت ببطء.
دخلت أوضتها.
ورجعت شايلة ظرف بني كبير.
وحطته قدام محمود.
قالت
أبوك كان عارف إنك هتسأل.
محمود بص لها.
يعني إيه؟
أمي قالت
قبل ما يموت بأسبوعين، خلّص كل حاجة.
فتحنا الظرف.
وكان جواه عقود مسجلة.
الشقة الأولى باسم محمود بالفعل.
الشقة التانية باسم أحمد.
أما البيت القديم…
فمكانش باسمي.
ولا باسم أبويا.
ولا باسم سارة.
العقد كان باسم شخص تاني.
قعدنا نبص لبعض.
محمود قال
مين الاسم ده؟
أمي ردت
أبوكم باع البيت.
صرخت من غير ما أحس
باعه؟!
قالت
من تلات شهور.
الدنيا لفت بيا.
طب إحنا قاعدين فين؟
أمي قالت
في بيت صاحبه الجديد سامح لنا نقعد فيه ست شهور.
محمود وقف.
باع البيت ليه؟!
أمي بصت له.
وبهدوء قالت
عشان يسدد ديونك.
محمود اتسمر مكانه.
منى حطت إيدها على بقها.
أمي كملت
صاحبك اللي دخلت معاه التجارة نصب عليك، صح؟
محمود نزل عينه.
أبوك عرف.
عرف إن عليك شيكات.
وإنك ممكن تدخل قضية.
وراح دفع اللي عليك.
محمود قعد على الكرسي كأن رجله مقدرتش تشيله.
أمي قالت
باع البيت اللي عاش فيه عمره كله عشان ينقذك.
دموع محمود نزلت.
أول مرة أشوف أخويا الكبير

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *