كان اخويا
في وسط الصالة.
بص لي بابتسامة دافية وقال مبروك الشقة الجديدة يا سلمى… المكان ده بدايتك الحقيقية.
مسكت الفنجان وسألته بصوت هادي محمود… أنت ليه عمرك ما حكيت لنا عن شغلك؟ إزاي بتبقى هادي وشبه السحاب كده، وفي ثانية بتتحول لإعصار لو حد فكر يمسنا؟
سكت لحظة، وبص للقهوة بتاعته، ونظرة عينيه بقى فيها عمق وشجن ناتج عن سنين شغل في ظروف صعبة محدش يعرف عنها حاجة. رفع عينه وقال بصوت دافي اللي بيشوف الخطر الحقيقي بجد يا سلمى، وبيعرف أد إيه الحياة غالية وممكن تروح في ثانية، بيفهم إن القوة مش عشان نستعرض بيها ولا نرهب بيها الناس. القوة اتخلقت عشان نحمي بيها اللي بنحبهم، وعشان نفضل هاديين طول ما ينفع نكون هاديين.
مسك إيدي وضغط عليها بحنية أخوية صادقة أنتِ جيتي هنا عشان تبدأي من جديد وتعتمدي على نفسك، وده في حد ذاته شجاعة مش عند ناس كتير. القوة مش إنك تضربي حد، القوة إنك ترفضي تتكسري. طول ما أنا عايش، أوعي تخافي من حاجة تاني.
الكلمات دي دخلت قلبي ومسحت كل آثار الوجع والخوف اللي عشته في الجيم وفي الأيام الصعبة اللي فاتت. بصيت حواليا في الشقة الجديدة، وفي وش أخويا اللي كان دايماً السند والأمان، وعرفت إن الصفحة القديمة اتطوت تمامًا، وإن حياتي الحقيقية بدأت من اللحظة دي.
عدى الوقت وجيه الليل، ونور الشارع بدأ ينعكس على حيطان الصالة الفاضية. فجأة، تليفون محمود رن بصوت مكتوم. بص للشاشة، وملامحه اتغيرت في ثانية؛ الهدوء الأخوي اللطيف تحول لصرامة وانضباط مرعب.
رد بنبرة حازمة واطية مش معتادة أفندم… تمام يا فندم، ساعتين وأكون في الموقع.
قفل التليفون وبص لي، وابتسم نفس الابتسامة الهادية اللي بتطمن. قام وقف وهو بيعدل هدومه وبيمسح إيده وقال أنا لازم أتحرك دلوقتي يا سلمى. في شغل مستجد مستنيني.
سألته بقلق طفيف شغل إيه دلوقتي يا محمود؟ أنت لسه واصل من السفر ومأجز عشان تنقل معايا!
ضحك بصوت واطي وهو بيمسك شنطته وبيلبس ساعته هو ده شغلي… ما بياخدش إذن ولا بيستأذن. قرب مني، باس رأسي، وحط إيده على كتفي بثبات الشقة بقت تمام، وكل حاجة متستفة. وأهم حاجة… إنك بقيتي أقوى من الأول بكتير. أي حاجة تحتاجيها في أي وقت، تليفون واحد تلاقيني عندك.
وصلته لحد الباب، وقبل ما يخرج، لف وبص لي وقال بابتسامة خفيفة صحيح… من بكرة، دوري على كابتن محترم في أكاديمية بجد تكون بتفهم رياضة، كملي تمرينك وما تقفيش. الرياضة مش غلط، الغلط كان في الشغف اللي اتسلم للناس الغلط.
مشيت لحد البلكونة وبصيت عليه وهو طالع بعربيته وسط زحمة الشارع، رايح لمهمة جديدة محدش يعلم عنها حاجة غير ربنا. وساعتها بس، حسيت إن الوجع اللي كان في حلقي اختفى تمامًا، وإن الكابوس اللي عاش معايا سنين اتبخر في لحظة.
وقفت في نص صالة شقتي الجديدة، اتنفست بعمق، ولأول مرة في حياتي، حسيت بقلبي جامد وثابت… مش خايفة من اللي جاي، وجاهزة أواجه الدنيا بجد.
عدت سنة كاملة على اليوم ده. سنة اتغيرت فيها حياتي كلها من جذورها. سجلت في أكاديمية محترمة للجوجيتسو، وسط مدربين حقيقيين بيفهموا يعني إيه رياضة، يعني إيه أخلاق، ويعني إيه احترام للخصم قبل أي حاجة. والنهاردة، كنت واقفة على البساط بتسلم الحزام الأزرق بعد اختبار طويل وصعب، وصوت تصفيق زمايلي مالي المكان.
سمعت بعد الشهور الأولى إن الجيم القديم خسر أغلب العيبة اللي فيه بعد ما قصة شريف اتعرفت والناس فهمت غشمه، بس بصراحة… الموضوع ما بقاش يعنيني في أي حاجة. الخوف القديم اللي كان جاسم على صدري زمان اتبخر تمامًا، وبداله بقى فيه ثقة وتوازن وهدوء داخلي عمري ما حلمت بيه.
وأنا واقفة باخد حزامي الجديد وبسلم على الكابتن، رفعت عيني ناحية باب الأكاديمية، ولقيت محمود واقف بنفس الهيبة والهدوء. كان لسه راجع من مهمة جديدة في سيناء من كم يوم، ووشه عليه آثار التعب والشمس، بس عينيه كانت بتلمع بفخر حقيقي وهو بيبص لي.
أول ما الاختبار خلص، جريت عليه وحضنته بكل قوتي. طبطب على ظهري وقال بصوت دافي مليان حنية أخوية مبروك يا سلمى… بقيتي بطلة بجد، ومحدش يقدر يزقك ناحية الحيطة تاني.
بصيت في عينيه وقلت له والابتسامة مالية وشي أنا ما بقيتش بطلة عشان الحزام يا محمود… أنا بقيت بطلة اليوم اللي أنت علمتني فيه إن الحق مايتسكتش عليه، وإن اللي وراه سند وأخ زيك، عمره ما يخاف من الدنيا.
ابتسم محمود ولف دراعه حوالين كتفي وخرجنا سوا. ومشينا في الشارع وأنا حاسة إن خطوتي أتقل وأثبت على الأرض من أي وقت فات. عرفت وقتها إن أكبر درس أخدته من أخويا مش إزاي أدافع عن نفسي بجسمي، لكن إزاي أكون قوية بروحي… وإن الأمان الحقيقي بيبدأ من جوانا، لما نرفض نكون ضحايا ونعرف قيمة نفسنا بجد.
تمت
حكايات انجى الخطيب