كان اخويا
كان أخويا الكبير واقف قدامي وهو بيتفرج على مدرب جودو ضخم الجسم، وزنه معدي المية كيلو، وهو بيخنقني قدام كل اللي في الجيم لحد ما فقدت الوعي. كنت بخبط على الأرض وبشد في دراعه بكل قوتي، لكن الراجل تجاهلني تمامًا، ولما فوقت، بدل ما يعتذر، وقف فوق دماغي وقال إن الغلط غلطتي أنا، وإن كان لازم أستحمل أكتر. أصحابه ضحكوا، وكل اللي في المكان سكتوا.
بس هو ماكانش يعرف إن أخويا الكبير اللي دخل الجيم بهدوء وواقف بعيد بيتفرج عليه، مش مجرد واحد معدي ياخد أخته.
أخويا محمود كان ظابط في القوات الخاصة، وخدم سنين طويلة في مهام محدش من العيلة كان يعرف تفاصيلها. كان دايمًا بيتهرب من الأسئلة، ولما نسأله شغله عامل إيه، كان يبتسم ويقول شغل وخلاص.
وفي اليوم ده، كان نازل من إسكندرية مخصوص علشان يساعدني أنقل حاجتي لشقتي الجديدة، وكان المفروض يقابلني قدام الجيم الساعة سبعة ونص.
وصل قبل معاده بعشر دقايق.
وأنا كنت وقتها عندي ستة وعشرين سنة، جسمي صغير ومش رياضية بطبيعتي، وعمري ما تخيلت إني ممكن أحب رياضة قتالية. لكن بعد فترة من المشاكل والضغط اللي عديت بيه، قررت أتعلم الجوجيتسو في مركز تدريب صغير في مدينة نصر.
كنت عايزة أبقى أقوى.
مش علشان أضرب حد، لكن علشان أبطل أخاف كل ما الحياة تزقني ناحية الحيطة.
وهناك ظهر في حياتي الكابتن شريف.
كان جسمه ضخم، ووزنه حوالي مية وخمسة كيلو، وحزامه أسود درجة تانية. كان تقريبًا مسيطر على المكان كله، والكل بيحسب له ألف حساب.
كان بيحب يتدرب مع المبتدئين الأصغر منه، ويبرر قسوته دايمًا بجملة واحدة
أنا كده بعلّمكم.
لكن الحقيقة إن محدش كان بيقدر يعترض عليه، لأنه كان صاحب صاحب الجيم، والاتنين كانوا قريبين من بعض جدًا.
في اليوم ده، أول ما بدأت جولة التدريب، شريف حط إيده التقيلة على كتفي وقال
يلا يا سلمى… دورك.
ماكنتش دعوة.
كان أمر.
بدأنا الجولة، وفي ثواني كنت مرمية على الأرض، وهو بكل وزنه ضاغط عليا. حاولت أتحرك، لكنه مسك دراعي وثبته، وفجأة لف دراعه حوالين رقبتي وبدأ يضغط بكل قوته.
حسيت إن نفسي بيتقطع.
خبطت على الأرض مرة.
وبعدين مرة تانية.
ومرة تالتة.
تاب! تاب!
كنت بقولها وأنا مرعوبة.
لكنه ماوقفش.
خبطت الأرض بإيدي أقوى.
وبعدين خبطت على كتفه نفسه.
ولا كأنه سامعني.
ضغط أكتر.
الدنيا بدأت تسود قدامي، وصوت الناس حواليَّ اختفى تدريجيًا.
آخر حاجة شوفتها كانت لمبات السقف وهي بتتحول لنقط بعيدة…
وبعدها فقدت الوعي.
لما فتحت عيني، كنت على جنبي وبكح جامد، بحاول آخد نفسي، وحلقي بيوجعني كأني بلعت نار.
لقيت شريف واقف فوق دماغي، وبيربط الحزام بتاعه بمنتهى الهدوء.
وبصوت عالي علشان كل اللي في الجيم يسمعه، قال
كان لازم تستحملي أكتر يا سلمى. إنتِ اللي سيبتي نفسك توصل لكده. في خناقة بجد محدش هيوقف علشانك.
حسيت الدم بيغلي في عروقي.
أنا كنت عملت تاب.
وهو كان عارف.
كل الناس كانت عارفة.
لكن الغريب إن فجأة كل واحد في المكان بقى مركز في الأرض أو بيعدل هدومه، كأن محدش شاف حاجة.
شريف فرقع صوابعه وقال
مين الدور عليه؟
وفجأة صوت هادي جه من آخر المكان
أنا.
الجيم كله سكت.
رفعت عيني ناحية الصوت.
لقيت أخويا محمود بيبعد عن الحيطة اللي كان واقف مسنود عليها.
كان حافي، لابس شورت رياضي وتيشيرت أسود بسيط.
لا شكل مخيف.
ولا استعراض.
ولا حتى باين عليه إنه فاهم حاجة في الرياضة.
شريف بص له من فوق لتحت، وضحك باستهانة.
معلش يا باشا، التمرين خلص تقريبًا.
محمود مااتحركش.
وقال بهدوء
هي عملت تاب.
شريف سكت.
محمود كمل
وإنت فضلت ضاغط عليها أربع ثواني بعد ما خبطت. وبعدها فضلت تخنقها لحد ما فقدت الوعي.
الضحكة اختفت من وش شريف.
وبدأ الجو كله يتغير.
شريف قال بعصبية
دي رياضة احتكاك يا عم. بتحصل.
محمود رد بنفس الهدوء
طيب… نشوف إنت بتتعامل إزاي لما اللي قدامك مايبقاش مبتدئ.
ضحك شريف بصوت عالي.
إنت؟ إنت بتعرف تلعب أصلًا؟
محمود نزل عينه على الأرض للحظة، وبعدها رفعها وبص له.
جرب.
شريف خلع التيشيرت الخارجي، ونزل على الأرض، واتخذ وضع الاستعداد.
تمام يا بطل… الجولة بدأت.
وفجأة اندفع ناحية أخويا بكل قوته، وإيده الضخمة متوجهة ناحية رقبته…
لكن شريف ماكانش يعرف إن الشخص اللي قدامه، واللي افتكره واحد عادي جه ياخد أخته، قضى سنين بيتدرب على القتال الحقيقي في القوات الخاصة.
وماكانش يعرف كمان إن محمود مش مجرد ظابط سابق…
ده كان لسه في الخدمة.
وأول ما مد شريف إيده علشان يمسك رقبته…
محمود ابتسم ابتسامة صغيرة.
واللي حصل بعدها خلّى كل اللي في الجيم ينسوا يتنفسوا.
انجي_الخطيب
في جزء من الثانية، وقبل ما إيد شريف تلمس رقبته، إيد محمود اتحركت بسرعة ما لحقش حد في الصالة يستوعبها. زي ما يكون مشهد اتصوّر بالعرض البطئ، محمود زاح إيد شريف بلمسة خاطفة، واستغل وزنه واندفاعه، وبلفة واحدة وثبات مرعب ثبت كعبه على الأرض ومسك معصم شريف وكتفه. في لحظة، جسم شريف الضخم اللي معدي المية كيلو اختل توازنه وطار في الهواء وكأنه ملوش وزن، ونزل على الأرض برزعة هزت الصالة كلها وطلعت الصوت من صدره في آهة مكتومة.
شريف حاول يقوم بسرعة وهو مش فاهم إيه اللي حصل، ووشه محمر من الصدمة والإهانة قدام الناس، واندفع تاني بجنون وهو بيهجم بغشم. بس محمود ماشالش عينه من عليه، ما اتراجعش خطوة واحدة للورا، تفادى الضربات ببرود تكتيكي صريح، ودخل تحت دراع شريف بمهارة مرعبة. في لمح البصر، كان محمود على ظهر شريف، شاده للحيطة