يوم فرحي زهره الربيع

أول ما دخلت شقتنا يوم فرحي جم أهل جوزي وسلموا عليا واحد واحد. حماتي، وسلفتي، وأخت جوزي منار اللي قربت مني وفجأة حضنتني، وقالتمبروك يا عروسة.. الحق يتقال محمود جوزي مفيش منه وهيهنيكي ويدلعك !.
في اللحظة دي، حسيت كأن حد كب عليا ميه ساقعة. جسمي كله اتنفض، والدم هرب من عروقي. محمود جوزها؟! جوزها ازاي ودي منار أخته؟ هو قالي كده بالظبط قبل كتب الكتاب! بصيت لمحمود بسرعة ، لقيت ملامحه اتقبضت وبيبص لها بغضب وعينيه بتطق شرار. وقتها حسيت الكلام وقف في زوري، ونفسي اتقطع،عمري ما اتخيلت ان الراجل اللي حبيته وسلّمته قلبي يطلع بالندالة دي كلها.
شريط شهور فاتت مر قدام عينيا في ثواني. محمود ده اتنقل من كام شهر يسكن جنبنا في العماره اللي جنب بيتنا، قالي إنه عنده مشروع شغال عليه هنا في البلد. اتعرفنا على بعض بالصدفة، ولقيته إنسان ذوق، وكلامه منمق، وكله حيوية وطاقة وحنيه.. . حبيته، وحسيت معاه بالأمان اللي كنت بدور عليه. قالي وقتها إنه هيتجوزني ونعمل الفرح عند أهلي هنا وسط ناسي، وبعد كده نسافر سوا لبيته في الريف عند أهله، بيت العيلة الكبير اللي المفروض هبدأ فيه حياتي. ورغم إن أهلي مكانوش مرحبين في الأول ومكنش عندهم قبول كامل اني انتقل من عندعم، بس حبي ليه خلاني أقنعهم بيه بكل الطرق لحد ما وافقوا.
افتكرت يوم الفرح، لما جم أهله وعاملوني بمنتهى اللطف والترحاب، ومن ضمنهم منار …اللي قالي انها اخته الاصغر منه افتكرت كمان تفصيلة صغيرة في كتب الكتاب.. كان كل شوية يتوشوش مع المأذون ويتكلموا في سرهم، كنت فاكرة وقتها إنهم بيتكلموا في ورق ناقص أو إجراءات عادية، مكنتش أعرف إنه كان بيتفق معاه علشان ميعرفنيش ولا يقول قدام أهلي إنه متجوز تاني!
فوقت

من شرودي على صوت منار بتقول…روحتي فين يا عروسه اللي واخد عقلك يتهنى به
رجعت أبصلها بذهول كامل، عيني بتتحرك بينها وبينه وأنا مش مستوعبة، وقولتلها بصوت مرعوب أنتي مش أخته؟.. ازاي بتقولي انك مراته؟!.
ردت عليا ببرود تام وثقة مستفزة وهي بتبتسم لا يا حبيبتي، أنا مراته مش أخته، وأنتي مكبرة الدنيا ليه؟ فيها إيه دي؟ ما اتخن مني ومنك بيتجوزوا عليهم.. محمود راجل وسيد الرجالة ويحقله يتجوز أربعة!.
وقتها أنا اتجننت، حسيت عقلي هيطير من راسي ومش قادرة أصدق كلمة واحدة من اللي بتتقال. محمود مفهمني من أول يوم إن ملوش تجارب سابقة، إني مراته الأولى وحبه الأول والأخير، إزاي كل ده كان كدب؟ إزاي التمثيلية دي انطلت عليا بالبساطة دي؟!
محمود بص لمراته الأولى بغضب مكتوم، وصوته طلع خشن ومحتقن وهو بيقولها ماشي يا ست منار.. أديكي باركتي وعملتي الواجب.. يلا روحي شقتك وليا كلام معاكي بعدين.
دموعي نزلت من الصدمة وصرخت بذهول تروح فين؟! محدش هيتحرك من هنا.. إيه اللي بيتقال ده؟ منار دي مين يا محمود؟!.
محمود تجاهل صراخي تماماً وبص لأمه وقال بنبرة هادية بس آمرة خدي منار يا أمي واخرجوا.. معلش.
أمه اتحركت بسرعة وخدت كل اللي في الأوضة معاها، ومن ضمنهم منار اللي كانت بتتحرك بدلال مستفز، وقبل ما تقفل الباب وراها، التفتت وقالت بصوت عالي سمعه البيت كله مبروك يا عريس.. هستناك بكرة بقى علشان بناتك عايزين يشوفوك!.
الجملة دي نزلت عليا زي الصاعقة اللي شلت حركتي تماماً. مكنتش قادرة أنطق، الكلمة خنقتني في حلقي، وبصيت له وعيوني متسعة على آخرها وقولت بالعافية بناتك؟!.. أنت متجوز ومخلف؟!.
هنا، وبكل البرود اللي في الدنيا، بدأ محمود يقلع جاكيت بدلته ويفك الكرافتة وهو بيبص لي في المراية، كأن الموضوع عادي ومفيش أي مصيبة حصلت، وقال بنبرة خالية من أي ذنب أو اعتذار آه.. متجوز ومخلف.. وعايز أتجوز تاني، إيه الغلط في كده؟ اسمعي يا بنت الناس، أنا خلفت تلت مرات، وكل مرة كانت الخلفة بت.. فقولت أغير العتبة يمكن يجيلي الواد.. ولو أنتي جبتي الواد هتبقى ست الكل هنا ومفيش حد زيك، ولا حتى منار.
حطيت إيدي على بقي بصدمة حقيقية، الرؤية اسودت في عينيا، ودموعي بقت تنزل زي الشلال وأنا بقول ببكا ونحيب ومش مصدقة القذارة اللي بيتكلم بيها يا نهار أسود.. يا مصيبتي السودة يا رب!.
محمود نفخ بزهق ونفاد صبر، ورمى الجاكيت على السرير وقرب مني وهو بيقول متكبريش الموضوع وتعمليه مصيبة وتضيعي علينا دخلتنا وفرحتنا.. يلا استعيذي من شيطانك وادخلي غيري البسي حاجة تفتح النفس.
وقبل ما أتحرك أو أرد، ملامحه اتغيرت وبص لي بتحذير واضح وصارم، وكمل بنبرة فيها تهديد مبطن رعبني متنسيش إن النهاردة دخلتك، وإنك لو عملتي مشكلة دلوقتي وخرجتي، محدش هيصدق إنك مكنتيش تعرفي إن عندك ضرة، والناس كلها هتفهم إن فيه حاجة تانية لا مؤاخذة.. علشان كده مشيتك في الوقت ده بالذات. والكلام مش هيرحمك، وهيِطول أهلك وأخواتك البنات بسببك!.
الكلام جمّد الدم في عروقي. الصدمة مكنتش بس في كدبه وخداعه، الصدمة الأكبر إنه حتى مفكرش يعتذر أو يبرر نذالته، بل بالعكس، كان بكل وساخة بيلوي دراعي بأكتر حاجة بتهمني.
كنت واقفة في وسط الأوضة بفستاني الأبيض اللي كنت فاكراه فستان فرحي، بس اتضح إنه كفن لقلبي وكرامتي. كلامه عن شرفي، وعن أهلي، وعن أخواتي البنات اللي لسه متجوزوش، كان زي السكاكين اللي بتقطع فيا. الخوف من نظرة المجتمع، ومن فضيحة ملناش ذنب فيها، ومن إن الناس تظن فيا ظن سوء لمجرد إني اطلقت ليلة فرحي، حسيت الأوضة بتضيق عليا،كنت واقفة في مكاني، مشلولة، وعقلي عاجز تماماً …وكلمه واحده بتتكرر في ذهني…..اعمل ايه دلوقت ؟!
زهرة_الربيع
صلي على حبيب الله
وقفت مكاني، إيدي بتترعش، وعيني مثبتة فيه، لكن جوايا كان في صوت بيصرخ متكسريش قدامه… مهما حصل متكسريش.
مسحت دموعي بسرعة، وحاولت آخد نفس طويل، وقلتله بصوت خرج بالعافية
ممكن… أشرب كوباية مية؟
استغرب هدوئي بعد كل اللي حصل، وبصلي بشك، لكنه قال ببرود
اشربي… وبعدين بطلي عياط، لأن اللي حصل حصل.
لف ضهره يفتح الدولاب، وأنا استغليت اللحظة وبصيت حواليا بسرعة.
تليفوني…
فين تليفوني؟
افتكرت إنه في شنطتي الصغيرة اللي حطتها أمي بإيديها قبل ما أطلع، وكانت مركونة جنب التسريحة.
قربت منها بهدوء، وفتحتها كأني بدور على منديل.
الحمد لله… التليفون كان مكانه.
قلبي دق بعنف، ومديت صوابعي عليه من غير ما يحس.
لكن أول ما فتحت الشاشة…
اتفاجئت إن الشبكة مقطوعة تمامًا.
رفعت عيني باستغراب، فقال وهو بيبتسم ابتسامة باردة
بتدوري على شبكة؟
اتجمدت.
كمل وهو بيقرب خطوة
البيت هنا مفيهوش إرسال كويس… ولو حتى لقيتي شبكة، أنا واخد الموبايلات كلها من تحت من ساعة ما دخلنا.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
إزاي عرف إني هحاول أكلم حد؟
هل كان متوقع رد فعلي من البداية؟
وقبل ما أرد، خبط خفيف جه على الباب.
محمود فتح، لقي أمه واقفة.
ابتسمت ابتسامة غريبة وهي بتقول
نسيت أقولك يا محمود… العروسة لازم تشوف أوضتها الجديدة.
بصلها باستغراب وقال
ما هي فيها.
هزت رأسها وقالت
لأ… الأوضة التانية.
الكلمة وقعت في قلبي بشكل غريب.
الأوضة التانية؟
أنا افتكرت إن دي أوضة نومنا!
خرجت حماته قدامه، وهو أشارلي أمشي وراه.
مشيت وأنا حاسة إن كل
لمحة نيوز

خطوة بتقربني من كارثة أكبر.
عدينا طرقة طويلة، لحد ما وقف قدام باب خشب قديم.
فتح الباب…
وأول ما دخلت…
اتسمرت في مكاني.
الأوضة كانت مليانة لعب أطفال… وصور لبنات صغيرين على الحيطة…
لكن اللي خلاني أحس إن قلبي وقف فعلًا…
صورة كبيرة متعلقة فوق السرير…
فيها محمود…
واقف جنب منار…
ولابسين بدلة وفرح… بنفس الشكل تقريبًا اللي إحنا لابسينه النهارده.
وفي أسفل البرواز، كانت مكتوبة جملة بخط ذهبي
ذكرى زواجنا الأول… بداية العمر.
بلعت ريقي بصعوبة، ولسه هلف أبصله…
سمعت صوت طفلة صغيرة جاي من آخر الطرقة وهي بتجري وتصرخ بفرحة
بابا… بابا جه!
وفي نفس اللحظة…
الطفلة دخلت الأوضة، لكنها أول ما شافتني أنا… وقفت مكانها، وبصتلي من فوق لتحت، وبعدين قالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي…
هي دي… الماما الجديدة اللي ماما منار قالت إنها جاية تاخد مكاني؟!اتجمدت في مكاني، وبصيت للبنت الصغيرة، اللي كان عندها يمكن خمس أو ست سنين، وشعرها مربوط بضفيرتين، وفي إيديها عروسة قماش قديمة.
كانت بتبصلي ببراءة، لكن كلامها نزل على قلبي زي السكينة.
محمود جري عليها بسرعة، شالها بين إيديه وقال وهو بيحاول يبتسم
مين قالك الكلام ده يا حبيبتي؟
البنت بصتله بعفوية وقالت
ماما منار… قالتلي إنك هتجيب ماما جديدة عشان تجيبلك الولد، ولو جابت ولد هتبقى هي أهم مننا.
وشها اتغير، وبدأت شفايفها ترتعش وهي بتسأله
يعني… إنت مش هتحبنا تاني يا بابا؟
لأول مرة، محمود معرفش يرد.
فضل ساكت، وباصص في الأرض.
أما أنا… فكنت ببص للبنت، ودموعي بتنزل من غير صوت.
البنت دي ملهاش ذنب في أي حاجة.
الضحية مش أنا لوحدي…
فيه أطفال بيتربوا وهم مقتنعين إن قيمتهم أقل، لمجرد إنهم اتولدوا بنات.
في اللحظة دي، ظهرت منار عند باب الأوضة.
كانت واقفة وسندة على الباب، وبتبصلي بابتسامة غريبة، لا هي شماتة كاملة ولا هي حزن.
قالت بهدوء
شوفتي بنفسك؟… دي حياتي من سبع سنين.
بصيتلها وأنا مش فاهمة.
كملت وهي بتقرب خطوة
كل حمل كان بيقولي المرة دي لازم ولد… وكل ما أولد بنت، يبعد عني شهرين ويرجع يرميني بكلمة واحدة… المرة الجاية.
سكتت لحظة، وبعدين قالت وهي بتضحك ضحكة كلها وجع
ولما فقد الأمل… قرر يجيب عروسة جديدة.
محمود صرخ فيها بعصبية
اسكتي… مش ناقصين كلام!
لكن منار مكملتش تبصله.
كانت عينيها عليا أنا.
وقالت بصوت واطي
أنا غلطت لما وافقت وسكت… لكن إنتِ لسه قدامك فرصة.
قبل ما أسألها تقصد إيه…
سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
كل الموجودين سكتوا.
حتى محمود اتغير لون وشه فجأة، وجرى ناحية الشباك يبص.
أول ما بص…
اتسعت عينيه بشكل مرعب، واتراجع خطوة لورا وهو بيهمس
مستحيل… هما عرفوا مكاني إزاي؟!
في نفس اللحظة، دوى خبط عنيف على باب البيت…
وصوت راجل جه من بره وهو بيزعق بأعلى صوته
افتح يا محمود… إحنا جايين نحاسبك على اللي عملته!الخبط على الباب زاد بعنف، لدرجة إن نجفة الصالة اتهزت.
حماته خرجت من أوضتها وهي مرعوبة، وقالت
مين اللي بيخبط بالشكل ده؟!
محمود كان واقف عند الشباك، وشه شاحب، وبيحاول يبص من بين الستارة من غير ما حد يشوفه.
همس بصوت متوتر
إخواتها… أكيد إخواتها.
قلبي دق بقوة.
إخواتي؟!
يعني هما عرفوا؟
إزاي؟!
أنا ماكلمتش حد… وتليفوني أصلاً كان معايا ومفيش شبكة.
منار بصت لمحمود وقالت بسخرية
قلتلك الكدب عمره قصير.
محمود لف ناحيتها بعصبية وقال
إنتِ اللي بلغتيهم؟!
هزت راسها بالنفي وقالت
ولا أعرف رقمهم أصلاً.
في اللحظة دي، افتكرت حاجة.
قبل ما نطلع من بيت أهلي، أختي الصغيرة حضنتني وهي بتصلح الطرحة، وحطت في شنطتي قلم صغير شكله عادي، وقالت وهي بتضحك
احتفظي بيه… ده هدية مني.
وقتها استغربت الهدية، لكن بسبب الزحمة نسيت الموضوع تمامًا.
وفجأة…
اتسعت عيني.
القلم!
رميت نفسي على الشنطة، وفتحتها بسرعة أدور فيه.
كان لسه موجود.
مسكته بإيدي، ولاحظت فيه نقطة ضوء خضراء صغيرة بتنور وتطفي.
لسه بحاول أفهم…
سمعت صوت أخويا من برة البيت وهو بيصرخ
إحنا عارفين كل حاجة يا محمود… افتح الباب!
بصيت للقلم مرة تانية، وبدأت أربط الأحداث ببعض.
أختي كانت بتدرس هندسة اتصالات، وكانت دايمًا بتحب الأجهزة الإلكترونية.
يا ترى… هل القلم ده كان مجرد هدية؟
ولا كانت حاسة من البداية إن فيه حاجة غلط… وخبت فيه جهاز تتبع أو تسجيل؟
وقبل ما أستوعب الحقيقة…
محمود خطف القلم من إيدي فجأة.
قلبه بين صوابعه، وبمجرد ما شاف الضوء الأخضر…
اتحول وشه للون الأصفر.
وبصلي بنظرة كلها رعب لأول مرة، وقال بصوت متقطع
إنتوا… سجلتوا كل اللي اتقال؟!
وفي نفس اللحظة…
سمعنا صوت زجاج بيتكسر، وصوت خطوات سريعة دخلت من فناء البيت…
ومعها صوت أخويا وهو بيصرخ
محدش يتحرك… إحنا دخلنا!في نفس اللحظة، البيت كله اتقلب.
حماتي صرخت وهي بتحاول تمنع اللي داخلين، لكن محدش كان بيسمعها.
محمود جري ناحية الباب وهو بيزعق
إنتوا بتعملوا إيه؟! ده اقتحام!
لكن قبل ما يوصل، الباب اتفتح بعنف، ودخل أخويا الكبير ومعاه خالي وابن عمي، ووشوشهم كلها غضب.
أول ما شفتهم، رجليا خانتني.
جريت عليهم وأنا بعيط بحرقة، وارتميت في حضن أخويا.
قال وهو بيطمني
اهدي… إحنا جنبك.
محمود حاول يتكلم بثقة مصطنعة
في إيه؟ مراتي معايا، ومفيش حد له حق يدخل بيتي بالطريقة دي.
أخويا لف ناحيته وقال بحدة
مراتك؟! إنت نصاب… خدعتنا كلنا، وخبيت جوازك الأول.
محمود رد بسرعة
وأنا عملت إيه غلط؟ الشرع محلل أربعة.
خالي قال بغضب
الشرع محلل… لكن الكذب والغش والتدليس مش محللين.
ساد صمت ثقيل في المكان.
وفي اللحظة دي، منار خرجت من وراهم، وكانت ماسكة ملف قديم في إيديها.
بصت لمحمود وقالت
أنا ساكتة من سنين… لكن خلاص.
رمت الملف على الترابيزة.
الورق اتناثر على الأرض.
من بين الأوراق ظهرت قسيمة جوازها. .. وشهادات ميلاد البنات… ومستندات تانية.
لكن كان فيه ظرف بني صغير وقع من الملف.
محمود أول ما شاف الظرف…
اتغيرت ملامحه تمامًا.
جري بسرعة يحاول ياخده قبل أي حد.
لكن أخويا كان أسرع.
انحنى، التقط الظرف، وفتحه ببطء.
كل اللي في الأوضة كانوا ساكتين، مستنيين يعرفوا إيه اللي جواه.
وأول ما أخويا بص على أول ورقة…
رفع عينيه لمحمود بصدمة، وقال
إيه ده…؟!
ثم قلب الصفحة الثانية، واتسعت عيناه أكثر.
أما محمود…
فأول مرة من بداية الليلة، ظهر عليه خوف حقيقي، وتمتم بصوت مرتعش
الورق ده… ماكانش المفروض حد يشوفه…
وتوقفت الأنفاس، بينما مد أخويا الورقة لمنار وهو يقول
واضح إن السر اللي كنتِ مخبياه أخطر بكتير من حكاية الجوازة…منار مدت إيديها المرتعشة وأخدت الورقة.
بمجرد ما وقعت عينيها عليها، وشها اصفر، وقعدت على أقرب كرسي وهي حاطة إيديها على قلبها.
حماتي جريت عليها وهي بتقول بخضة
في إيه يا بنتي؟ مالِك؟
منار رفعت عينيها ناحية محمود، وكانت أول مرة أشوف فيها نظرة خوف حقيقي في عينيها، وقالت بصوت مبحوح
إنت… لسه محتفظ بالورق ده؟
محمود حاول يقرب منها بسرعة.
هاتي الورق يا منار.
لكن أخويا وقف قدامه ومنعه.
قال بحدة
ولا خطوة.
الأوضة كلها كانت ساكتة.
حتى الأطفال بطلوا كلام، وكأنهم حاسين إن في مصيبة أكبر مستخبية.
أخويا بدأ يقرأ أول سطر بصوت مسموع، لكن فجأة سكت.
بص لمحمود، ثم رجع بص للورقة مرة تانية، وقال باستغراب
الورقة دي باسمك… لكن فيها توقيعك على تنازل عن كل أملاكك؟!
حماتي شهقت.
تنازل؟! تنازل لمين؟
محدش رد.
كل الأنظار راحت ناحية محمود.
كان بيبلع ريقه بصعوبة، وعرقه بدأ ينزل من جبينه.
وفجأة…
منار قامت من مكانها وقالت
خلاص… هقول الحقيقة.
محمود صرخ فيها
لو نطقِتِ بكلمة… قسماً بالله هتندمي!
لكنها المرة دي مبصتلوش.
بصتلي أنا، وقالت
إنتِ فاكرة إنك أول واحدة خدعها؟
هزيت راسي بالنفي، وأنا قلبي بيدق بعنف.
قالت
لأ… إنتِ التالتة.
الأوضة كلها اتجمدت.
أخويا قال بذهول
يعني إيه التالتة؟
منار أخدت نفس طويل، ودموعها نزلت لأول مرة.
قبلي كان فيه واحدة… وبعدها واحدة

تانية… الاتنين اتجوزهم بنفس الطريقة… ولما اكتشفوا الحقيقة، خلص منهم بالطلاق بعد ما أخد منهم كل اللي يملكونه.
بصيت لمحمود وأنا مش قادرة أصدق.
يعني… أنا مش أول ضحية؟
منار هزت رأسها.
ولا هتبقي الأخيرة… لو فضل ساكت.
وقبل ما تكمل كلامها…
رن جرس الباب مرة تانية.
لكن الرنة دي كانت مختلفة.
قصيرة… وحادة… ومتكررة.
محمود أول ما سمعها، اتراجع خطوة للخلف، وكأنه عرف مين اللي واقف بره.
بعد ثوانٍ، سمعنا صوت راجل من خلف الباب بيقول بصوت واضح
افتح يا محمود… معانا أمر ضبط وإحضار باسمك.
وساد صمت مرعب في البيت… بينما كل العيون اتجهت نحو الباب المغلق، في انتظار ما سيحدث بعد ذلك اتحول وش محمود من الأصفر للأبيض في ثواني.
بص حواليه كأنه بيدور على أي مخرج، وأول حاجة عملها إنه جرى ناحية الشباك.
أخويا لمح حركته، فصاح
خدوا بالكم… هيهرب!
ابن عمي سبق الجميع، ومسكه من دراعه قبل ما يفتح الشباك.
محمود زقه بعنف، وحصلت بينهم خناقة، والكرسي وقع على الأرض بصوت دوّى في البيت كله.
وفي اللحظة دي…
اتفتح الباب.
دخل ظابط ومعاه فردين، وبصوت حازم قال
محمود… من فضلك اهدأ.
محمود حاول يتماسك وقال بثقة مصطنعة
خير يا باشا؟ أنا عملت إيه؟
الضابط بص حواليه، ولاحظ دموعي، ووشوش أهلي، ومنار اللي كانت منهارة.
ثم قال
وصلتنا بلاغات قديمة وجديدة، وكان لازم ننفذ أمر الضبط.
محمود ابتسم ابتسامة باهتة وقال
أكيد في سوء تفاهم.
لكن قبل ما يكمل…
سمعنا صوت ست من برة البيت وهي بتصرخ
سيبوني أدخل… لازم أشوفه!
كل الموجودين بصوا ناحية الباب.
دخلت ست في أواخر الثلاثينات، ملامحها مرهقة، وما إن وقعت عينيها على محمود حتى قالت
أخيرًا لقيتك.
محمود وشه اتجمد.
همس باسمها من غير ما يحس
س… سحر؟!
الست قربت منه، وأخرجت من شنطتها صورة قديمة.
رفعتها قدام الكل.
في الصورة…
كان محمود واقف جنبها، ولابس بدلة فرح.
الصدمة خيمت على المكان.
بصيت لمنار، فقالت وهي مغمضة عينيها
دي… أول واحدة.
سحر بصتلي بحزن وقالت
وأنتِ الرابعة… مش التالتة.
الكل اتصدم.
حتى منار رفعت رأسها بسرعة وقالت
رابعة؟!
سحر هزت رأسها وقالت
بعدي اتجوز واحدة في محافظة تانية، وبعدها منار… وبعدها إنتِ.
محمود فقد أعصابه، وصرخ
كفاية كذب!
لكن الضابط أخرج ملفًا من حقيبته، ووضعه على الطاولة، وقال بهدوء
واضح إن عندنا كلام كتير هيتقال… لكن مش هنا.
ثم التفت إلى محمود وأضاف
اتفضل معانا.
وفي اللحظة التي مد فيها أحد أفراد الشرطة يده لتقييد محمود…
صدر صوت رنين هاتفه.
نظر الضابط إلى الشاشة، ثم إلى محمود، وقال
الغريب… إن المتصل محفوظ باسم الضحية الخامسة.
وانعقدت الألسنة، بينما تبادل الجميع النظرات في ذهول، دون أن يعرف أحد من تكون صاحبة هذا الاسم، ولماذا كانت تتصل في هذه اللحظة بالذات رنة التليفون فضلت ترن وسط الصمت.
محمود حاول يخطفه بسرعة، لكن الظابط كان أسرع.
بص للشاشة مرة تانية، وقال باستغراب
الاسم فعلًا متسجل… الضحية الخامسة.
ضغط على زر الرد، وفتح السماعة.
جاله صوت بنت بتعيط بهستيريا
ألو… يا محمود، أنا وصلت البلد زي ما قولتلي… مستنياك قدام المأذون من ساعة، إنت فين؟
الأوضة كلها سكتت.
البنت كملت وهي بتضحك بخجل
أصل بابا مستعجل على كتب الكتاب… وإنت وعدتني إنك هتخلص أي مشكلة عندك النهارده.
الضابط مردش.
فضل ساكت يسمع.
وفجأة البنت قالت
ألو؟… محمود؟
الضابط رد بهدوء
معاكي الشرطة… ممكن أعرف اسم حضرتك؟
ساد صمت طويل على الناحية التانية.
بعدها خرج صوتها المرتعش
…أنا… اسمي آية.
الضابط سألها
آية… إنتِ مرتبطة بمحمود؟
ردت بسرعة
آه… خطيبي، وهنكتب الكتاب النهارده… ليه؟
كل اللي في البيت بصوا لمحمود.
وشه كان غرقان عرق، وعينيه نازلة في الأرض.
أما منار، فمسكت طرف طرحتها، وقالت وهي بتبكي
حسبنا الله ونعم الوكيل.
الضابط طلب من آية بكل هدوء
لو سمحتي، متتحركيش من مكانك… وإحنا جايين حالًا.
وقفل المكالمة.
بعدها لف ناحية محمود وقال
واضح إنك كنت ناوي تعيد نفس اللعبة.
محمود صرخ بعصبية
دي مؤامرة… الكل متفق عليا.
لكن قبل ما حد يرد…
خرج صوت ضعيف من آخر الصالة.
كانت أصغر بناته.
كانت واقفة ماسكة اللعبة بتاعتها، وبتبص لأبوها ببراءة.
وقالت
بابا… هو صحيح كل شوية بتجيب لنا ماما جديدة؟
محدش عرف يرد.
حتى محمود، اللي كان طول الوقت بيتكلم بثقة، سكت.
البنت قربت منه خطوة، وسألته السؤال اللي كسر قلوب كل الموجودين
هو إحنا وحشين عشان إحنا بنات؟
انخفض رأس محمود لأول مرة.
لكن في اللحظة دي…
أحد أفراد الشرطة، الذي كان يفتش أوراق المكتب في الصالة، نادى بصوت مرتفع
يا فندم… تعالى شوف اللي لقيته.
اقترب الضابط.
فتح الدرج.
كان مليئًا بعقود زواج… وصور بطاقات لفتيات مختلفات… وملفات مرتبة بأسمائهن.
لكن في آخر الدرج…
كان هناك ظرف أحمر كبير مكتوب عليه بخط واضح
لا يُفتح إلا إذا اختفيت.
تبادل الجميع النظرات في ذهول…
ومد الضابط يده ببطء نحو الظرف، بينما محمود صرخ لأول مرة بصوت مليء بالرعب
لأ… الظرف ده بالذات ممنوع حد يفتحه!الضابط ثبت عينه في محمود، ثم قال بهدوء
بعد اللي شفناه الليلة… مفيش حاجة اسمها ممنوع.
مد إيده، وقطع طرف الظرف.
في اللحظة دي، محمود فقد أعصابه تمامًا، وحاول يفلت من العسكري ويجري ناحيته، لكنه اتثبت في مكانه.
الظابط سحب أول ورقة من الظرف…
وبدأت ملامحه تتغير.
ثم طلع فلاشة صغيرة، وبعدها مجموعة صور، وفي الآخر ورقة مكتوب عليها بخط إيد محمود.
قلب الورقة بسرعة، وسكت.
أخويا قال بقلق
فيها إيه يا باشا؟
الضابط رفع رأسه وقال
مش هينفع أتكلم دلوقتي.
الكلمة دي زودت التوتر أكتر.
منار قربت خطوة وقالت برجاء
أرجوك… قولنا.
لكنه هز رأسه وقال
الورق ده هيغير مجرى القضية كلها.
في اللحظة دي، العسكري اللي كان بيفتش أوضة النوم نادى بصوت عالي
يا فندم… تعالى بسرعة!
الكل جرى ناحية الأوضة.
العسكري كان واقف قدام الدولاب.
وقال
الدولاب ده عمقه مش طبيعي.
الضابط خبط بإيده على الضهر الخشبي.
طلع صوت أجوف.
بص لمحمود وقال
افتح.
محمود سكت.
كرر الضابط الأمر
افتح.
ولما رفض، طلب من العسكري يجيب مفك.
بعد دقائق، اتفك اللوح الخشبي الخلفي للدولاب…
وفجأة…
ظهر باب حديد صغير مستخبي وراه.
البيت كله اتجمد.
حماتي شهقت وهي بتحط إيديها على بقها
باب؟! أنا أول مرة أشوفه!
منار هي كمان كانت مصدومة.
أنا عايشة هنا سبع سنين… ومعرفش إن فيه باب أصلًا.
الضابط قرب من الباب الحديد.
كان عليه قفل كبير، لكنه كان مفتوحًا.
مد إيده، وضغط على المقبض ببطء…
وأول ما الباب اتحرك سنتيمترات قليلة…
خرج منه هواء بارد جدًا، وريحة تراب ورطوبة.
نظر الضابط للعسكري، ثم قال
الكشاف.
أنار العسكري الكشاف داخل الفتحة.
وفجأة…
اتسعت عينا الجميع.
لأن في نهاية الممر الضيق…
كان ظاهر كرسي مقلوب… وحقيبة سفر نسائية مغبرة… وكأنها موجودة هناك من زمن طويل.
وقبل أن يدخل أي شخص…
سمعوا صوتًا خافتًا جدًا…
صوت لم يعرف أحد مصدره…
لكنه كان واضحًا بما يكفي ليجمد الدم في العروق
حد… برا؟!اتسمر الكل مكانه.
حتى العسكري اللي كان ماسك الكشاف، إيده بدأت ترتعش، والضوء اهتز على جدران الممر الضيق.
الصوت اتكرر… أوضح المرة دي
في حد… سامعني؟
حماتي صرخت ووقعت على الكنبة وهي بتقول
يا ساتر يا رب!
أما محمود…
فكان بيحاول يهرب بعينيه من الباب، ووشه بقى شاحب بشكل مخيف.
الضابط رفع إيده وقال
محدش يدخل… الأول نتأكد.
العسكري دخل بحذر، وخطوة ورا خطوة، والكشاف بينور قدامه.
بعد ثواني، اختفى عن الأنظار.
ساد صمت مرعب…
ثانية…
اتنين…
تلاتة…
وفجأة سمعناه بيصرخ
يا فندم… تعالى بسرعة!
الضابط جرى ناحيته، وباقي الموجودين وقفوا عند الباب، محدش فيهم قادر يدخل.
بعد أقل من دقيقة، خرج الضابط، لكن ملامحه كانت مختلفة تمامًا.
أخويا سأله بلهفة
في إيه؟
الضابط بص لمحمود نظرة طويلة، وقال
واضح إن الليلة دي لسه مخبية أسرار كتير…
وقبل ما يكمل…
خرج العسكري وهو شايل صندوقًا خشبيًا قديمًا، عليه طبقة تراب سميكة، وفيه قفل مكسور.
حطه على الأرض.
ولما فتح الغطا…
لقوا جواه عشرات الصور القديمة، وجوازات سفر، وعقود، وأظرف

مكتوب عليها أسماء سيدات مختلفات.
لكن اللي شد انتباه الجميع…
صورة واحدة كانت فوق الكل.
الصورة كانت لمحمود…
واقف قدام بيت قديم، وبجواره سيدة شابة، وفي حضنها طفل صغير.
قلبت منار الصورة، فوجدت تاريخها.
كانت ملتقطة…
قبل زواجه منها بثلاث سنوات.
رفعت الصورة بيد مرتعشة وقالت
مين الست دي؟… ومين الطفل؟
محمود قفل عينيه، وكأنه عرف إن كل الأسرار بدأت تنهار.
لكن قبل أن يجيب…
دوّى صوت محرك سيارة وقف أمام البيت.
ثم نزل منها رجل مسن، وما إن دخل الصالة ورأى الصورة في يد منار حتى صرخ بصوت مختنق
الصورة دي… بنتي!
وتجمدت الأنفاس من جديد، بينما اتجهت كل العيون نحو الرجل، منتظرة ما سيقوله بعد ذلك الرجل العجوز كان بينهج من التعب، وملامحه كلها وجع السنين.
أول ما شاف محمود، رفع صباعه ناحيته وهو بيصرخ
أهو… أهو ده! والله ما نسيت وشه يوم واحد.
محمود اتراجع لورا خطوة، ولأول مرة صوته خرج مهزوز
حضرتك… أكيد غلطان.
العجوز ضرب بعصاه في الأرض وقال بغضب
غلطان؟! إنت اتجوزت بنتي عرفي، وخدت دهبها وفلوسها، وبعدها اختفيت هي وابنها في نفس الأسبوع!
البيت كله سكت.
أنا بصيت للعجوز، وبعدين للصورة اللي في إيده.
قلت بصوت مرتعش
يعني… الست دي كانت مرات محمود؟
العجوز هز رأسه والدموع في عينيه.
كانت بنتي الوحيدة… اسمها هناء.
ثم طلع من جيبه صورة تانية قديمة، وحطها جنب الصورة اللي كانت في الصندوق.
الصورتين كانوا لنفس الست.
محدش قدر ينكر.
الضابط أخد الصورتين، وقلبهم بهدوء.
وبعدين بص لمحمود وقال
واضح إن عندنا أسئلة كتير.
محمود سكت.
ولا كلمة.
ولا حتى حاول يدافع عن نفسه.
لكن في اللحظة دي…
العسكري اللي كان لسه بيفتش داخل الممر السري خرج وهو ماسك دفتر صغير مغبر.
قال
يا فندم… لقيت الدفتر ده تحت الكرسي.
الضابط فتح أول صفحة.
كانت مكتوبة بخط ست.
قرأ أول سطر، واتغيرت ملامحه.
ثم قفل الدفتر بسرعة.
أخويا قال باستغراب
فيه إيه؟
الضابط رد بهدوء
ده… يبدو إنه مذكرات.
العجوز قرب منه بسرعة وقال
بنتي كانت بتكتب يومياتها في دفتر بني صغير…
بص للدفتر، وبمجرد ما شاف الغلاف…
انهار على الأرض وهو بيبكي.
ده هو… ده دفتر هناء.
سادت حالة من الصمت الثقيل.
الضابط فتح أول صفحة مرة تانية.
وفي أعلى الصفحة كان مكتوب بخط واضح
إذا حد لقى الدفتر ده… يبقى أنا غالبًا مش عايشة، والراجل اللي اسمه محمود هو السبب في كل اللي حصلي…
وقبل أن يكمل الضابط قراءة السطور التالية…
رفع محمود رأسه فجأة، وضحك ضحكة غريبة أربكت كل الموجودين، ثم قال بصوت هادئ لأول مرة منذ بداية الليلة
طالما الدفتر ظهر… يبقى الحقيقة كلها هتطلع.
وساد صمت ثقيل في البيت، بينما الجميع أدرك أن ما سيأتي بعد ذلك سيكون أخطر بكثير من كل ما عرفوه حتى الآن محمود انهار أول ما الضابط فتح أول صفحة من دفتر هناء.
قعد على الأرض، وسند ضهره للحائط، وكأنه فقد كل القوة اللي كان بيتظاهر بيها.
الضابط بدأ يقرأ بصوت هادئ
أنا هناء… لو حد لقى الدفتر ده، فأنا بكتب آخر كلماتي. محمود عمره ما ضربني، لكنه قتلني كل يوم بكذبه وطمعه. خد فلوسي ودهبي، وعزلني عن أهلي، ولما طلبت الطلاق هددني إنه هيحرمني من ابني…
العجوز، والد هناء، انفجر في البكاء.
لكن الضابط قلب الصفحة اللي بعدها، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
الحمد لله…
الكل بصله باستغراب.
قال
في آخر الدفتر هناء كاتبة إنها قدرت تهرب بابنها قبل ما تختفي، وسابت الطفل عند أسرة كانت بتثق فيها… والولد عاش بعيد عن محمود، وماحدش قدر يوصله.
العجوز رفع رأسه بسرعة.
يعني… حفيدي عايش؟
الضابط هز رأسه.
واضح من الأوراق إنه عايش، وفيه عنوان للأسرة اللي ربته.
العجوز وقع على ركبته وهو بيحمد ربنا.
أما محمود. ..
فكان ساكت.
لأول مرة، ما عندوش أي حجة.
الضابط قفل الملف وقال
أما بالنسبة لباقي السيدات… فكل عقود الزواج والأوراق والتحريات الموجودة هتتسلم للنيابة، وهي اللي هتفصل في كل قضية.
ثم التفت ناحيتي وقال
أنتِ لسه في بداية حياتك… ومتخليش خوفك من كلام الناس يضيع عمرك.
أخويا قرب مني، وحط إيده على كتفي.
وقال
يلا… هنروح.
بصيت حواليَّ آخر مرة.
فستان الفرح اللي كنت بحلم بيه، بقى مجرد ذكرى مؤلمة.
منار كانت واقفة وهي بتبكي.
قربت مني، ومسكت إيدي، وقالت
سامحيني… أنا غلطت لما سكت. كنت فاكرة إني بحافظ على بيتي، لكن بسكوتي ظلمت نفسي وظلمتك.
حضنتها.
وقلت لها
لسه قدامك فرصة تبدأي من جديد.
بعدها خرجت من البيت، وأنا ماسكة إيد أخويا.
ورغم إن دموعي كانت بتنزل، لأول مرة من أول الليلة حسيت إني بتنفس.
بعد عدة أشهر…
حصلت على حكم ببطلان الزواج بسبب الغش والتدليس، وبدأت حياة جديدة وسط أهلي.
أما منار، فرفعت دعوى طلاق، وحصلت على حضانة بناتها ونفقتهن.
والعجوز…
سافر يبحث عن حفيده، وبعد رحلة طويلة وجده بالفعل، وعاد به إلى حضنه بعد سنوات من الفراق.
أما محمود…
فلم يبقَ حوله أحد.
لا زوجة…
ولا أولاد…
ولا أهل يدافعون عنه.
جلس وحده يواجه نتائج أكاذيبه، بعدما خسر كل من وثق به، وأدرك متأخرًا أن الحقيقة قد تتأخر… لكنها لا تموت أبدًا.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *