الطفله مدت ايديها

اتفاجئ ببنت صغيرة لابسة مريلة شغالة مقاسها أكبر منها بكتير وقالتله بصوت مرعوب ماما مقدرتش تيجي النهارده.
في الأول افتكرتها طُعم أو لعبة معمولاله علشان يوقعوه… لكن بعد شوية اكتشف إن البنت شايلة سر بيربطه بماضي كان فاكر إنه اندفن للأبد.
البنت دي أصلًا ماكانش المفروض تعدّي من بوابة الفيلا.
دي كانت أول حاجة جت في دماغي لما جهاز الاتصال الداخلي طلع صوت وسط المطر، وسمعت عم حسين، كبير الخدم، بيقول
يا باشا… في بنت صغيرة واقفة بره.
كنت واقف في المكتب بتاعي في الدور التاني، ببص على جنينة الفيلا في التجمع الخامس، والمطر مغرق الدنيا. قدامي على المكتب كباية ويسكي ولسه جنبها المسدس اللي مبقتش بسيبه من إيدي.
من أسبوع بالظبط…
حد زرع قنبلة تحت عربيتي المرسيدس.
ومن أسبوع…
مدخل الفيلا اتحول لنار ودخان.
ومن أسبوع…
اكتشفت إن الخاين اللي عايز يخلص مني مش بعيد… ده واحد من رجالة التنظيم بتاعي.
بصيت ناحية الجهاز وقلت بحدة
قول تاني؟
عم حسين اتردد وقال
بنت صغيرة يا باشا… بتقول جاية تشتغل مكان والدتها في شغل النظافة.
بنت؟!
أيوه… قالت إن أمها تعبانة ومقدرتش تيجي.
الكلام كان غريب جدًا على الدنيا اللي أنا عايش فيها.
أنا اتربيت على إن الثقة ضعف.
أبويا علمني إن الرحمة بتكسر هيبة الراجل.
وأعدائي علموني إن حتى الأطفال ممكن يبقوا وسيلة لاغتيالك.
قلت من غير تردد
فتشوها كويس… بصوا معاها أي حاجة غريبة… وبعدها طلّعوها عندي.
بعد خمس دقايق…
باب المكتب اتفتح.
دخلت بنت صغيرة لدرجة إن مقبض الباب كان أعلى من كتفها.
شعرها البني مربوط بديل حصان

مفكوك، وعينيها الزرقا مليانة خوف، وجزمتها القديمة سايبة آثار المطر على رخام المكتب.
لكن اللي شد انتباهي بجد…
المريلة.
مريلة شغالة بيضا، كبيرة عليها بكتير، لافاها حواليها كذا لفة ومربوطة من ورا بعقدة ضخمة.
وفي إيديها ورقة مطبقة، ماسكاها كأنها أغلى حاجة في الدنيا.
أنا شفت رجال أعمال كبار ينهاروا قدامي.
وشفت مجرمين يترجوني.
وشفت ناس تكدب وهي باصة في عيني.
لكن البنت دي…
كانت بترتعش من الخوف الحقيقي… مش خوف واحد مخبي حاجة.
قالت بصوت واطي
السلام عليكم يا عمو… أنا اسمي ملك.
بلعت ريقها وكملت
ماما تعبانة أوي… فجيت أنا بدلها.
في اللحظة دي…
حسيت إن حاجة جوايا سكتت.
سألتها بهدوء
جاية تعملي إيه يا ملك؟
رفعت الورقة ناحيتي وقالت
دي السيرة الذاتية بتاعة ماما… قالتلي الشغلانة دي مهمة أوي… وعشان هي عندها سخونية ومش قادرة تقوم، لبست مريلتها علشان تعرف إني جاية بجد.
مش فاكر إمتى قمت من مكاني.
ولا إمتى لقيت نفسي راكع قدامها.
سألتها
إنتي جيتي لوحدك؟
بصت للأرض وهزت راسها.
أيوه.
ليه؟
حضنت الورقة أكتر وقالت
عشان… إحنا ملناش حد غير بعض.
لأول مرة من سنين…
بطلت أفكر كرجل كل الناس مستهدفة قتله.
وبصيت قدامي…
لقيت طفلة مرعوبة، واقفة في وسط فيلتي، معندهاش غير ورقة تخص أمها… وأمل إنها تلاقي فرصة تنقذهم.
مديت إيدي أخد السيرة الذاتية.
وبمجرد ما عيني وقعت على الاسم المكتوب فوق…
الدم جمد في عروقي.
اسم أعرفه كويس…
واسم مستحيل… يكون قدامي من تاني.
مددت إيدي بصعوبة وأخدت الورقة المطبّقة من إيد ملك الصغيرة. إيدي كانت بترجف… مش من الخوف، بل من صدمة اسم مكتوب بخط يدوي قديم، بخط مائل بيميز شخص واحد بس.
اسم ليلى.
ليلى… اللي كانت أطهر نقطة في حياتي المظلمة زمان، قبل ما يدمروا كل حاجة، وقبل ما أدخل عالم العصابات والتنظيمات السرية وأقفل باب قلبي بالمفتاح. كنت فاكر إنها ماتت في الحريق اللى دبره أعدائي من عشر سنين، الحريق اللي اتحولت فيه عربيتها لكتلة من جمر.
رفعت عيني بصدمة وبصيت لملك… وتأملت ملامح وشها لأول مرة بتركيز كامل.
العينين الزرقا… الشفة اللي فوقها علامة صغيرة شبه قطرة المطر… الطريقة اللي بتضم بيها كتفها لما بتخاف.
دي مش مجرد صدفة. دي نسخة طبق الأصل من ليلى.
ملك… صوتي طلع مكسور وأنا بنطق اسمها، وكنت حاسس إن السقف بينهار فوق راسي. ماما… أمك اسمها إيه بالكامل؟
بصتلي ملك باستغراب وخوف وقالت بصوت مهتز
اسمها… ليلى إبراهيم… يا عمو.
الكلمات نزلت عليا كأنها صواعق. ليلى عايشة؟ إذًا مين اللي ماتت في الحريق زمان؟ ومين اللي دبر اللعبة دي كلها؟
في اللحظة دي… الموبايل العسكري اللي على مكتبي رن بصوت حاد ومزعج.
بصيت للشاشة… الرقم كان مخفي، بس نغمة الاتصال الخاصة دي ماكنش بيستخدمها غير شخص واحد في التنظيم العراب… الراجل اللي كنت مفكر إنه معلّمي الأبدي، واللي طلع هو اللي مدبر محاولة اغتيالي من أسبوع، وهو اللي بعت القنبلة تحت العربية!
رديت بسرعة وأنا باصص لملك اللي انكمشت في مكانها من رعبة الصوت
سامعك.
جه صوت جاف وبارد من السماعة، بيضحك بسخرية
إيه يا بطل التنظيم؟ عجبك الهدية اللي بعتهالك لحد باب الفيلا؟ كنت مفكر إنك نسيت ريحة الماضي، ولا نسيت مين اللي زرع القنبلة الحقيقية من عشر سنين؟
الدم صرخ في عروقي. بصيت لملك المرتعشة، وبعدين بصيت للباب، وفهمت اللعبة اللعين فهمها صح. القنبلة اللي تحت العربية من أسبوع ماكنتش مجرد رسالة تحذير عادية… دي كانت بداية الفخ، والنهاردة هما بعتوا لي الطعم الأغلى في العالم، عشان يعرفوا إذا كنت لسه عندي نقطة ضعف ولا بقيت وحش كمل بدون قلب!
لو قربت منها… أقسم بالله ما هسيب في التنظيم ده حي ولا ميت، وهبدأ بيك أنت! قلتها بصوت مليان غضب أعمى هز أركان المكتب.
العراب ضحك ببرود وقال
العب كويس يا بني… البنت معاها مفتاح أسرارك كلها، وأمها مستنياك في المكان القديم… مصنع الورق المهجور حيث بدأت حكايتكم. لو راجل… تعالي لوحدك.
وانقطع الاتصال.
بصيت لملك. كانت بتبكي بصوت عالي ومش فاهمة حاجة، بتقولي بصوت يقطع القلب
عمو… هو في إيه؟ ماما قالتلي روحي للراجل ده وهو هيحمينا… ماما في خطر؟
قربت منها، ونزلت لمستواها، ومسحت دموعها بإيدي اللي ماكنتش بترجف خلاص؛ لأن الغضب طرد الخوف، وحل مكانه اليقين. مسكت المسدس من على المكتب، وضربت خزנתه للتأكد من جاهزيته، وحطيتها في ضهري تحت الجاكيت.
مسكت إيد ملك الصغيرة الدافية، وبصيت في عيونها اللي بتلمع بدموع البرائة وقلت بنبرة صارمة، بس حنونة لأول مرة في حياتي
متقلقيش يا ملك… باباكي… قصدي، عمو هنا. مش هسمح لحد ياخدك مني تاني أبدًا. يلا بينا.
فتحت باب الفيلا، والمطر كان لسه بينزل بغزارة، بس طريق الموت اللي مستنيني في المصنع المهجور كان أوضح من الشمس. ركبت العربية ومعايا ملك، وداست على البنزين… رايح أنهي الحكاية دي مرة واحدة وإلى الأبد، عشان أنقذ ليلى، وأحمي الطفلة اللي رجعتلي روحي اللي ماتت من سنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *