فستان حماتي

:
​أول مرة شفت فيها فستان حماتي، افتكرت إن أتيليه الفساتين بعت الفستان بتاعي أنا لأوضة ثانية بالخطأ.
​كنت واقفة جنب بلكونة جناح الفندق المفتوحة، وسنتين من صاحباتي بيظبطوا آخر دبابيس في الطرحة. شمس الصبح كانت طالعة من ورا الستاير الخفيفة ومدية للجو كله لمعة دهبي هادية—على الورد الأوف وايت، وكاسات الشربات، وصف الفساتين الروز اللي متعلّقة جنب الدولاب.
​بنت خالتي الصغيرة سارة كانت لسه راجعة بعد ما طلعت تطمن على الصالة والممر.
​دخلت الأوضة بسرعة، وقفت ورا الباب وقفلت عليه، وريحت عليه بضهرها.
​وشها كان مقلوب ومخصوب من القلق.
​”فيه حاجة غلط ولا إيه يا سارة؟” سألتها.
​بصت لأمي، وبعدها بصت للخياطة اللي كانت موطية عند طرف الفستان بتاعي بظبط الركامة.
​”أنا مش عارفة أقولكم الموضوع ده إزاي الصراحة…”
​أمي وقفت إيدها وهي بتقفل حظاظتها الدهب.
​”تقولي إيه يا بنتي؟ خير؟”
​سارة قربت مني ووطت صوتها خالص:
​”طنط سهير لابسة أبيض.”
​برقت لها وبصيت لها بذهول.
​سهير دي هي أم خطيبي مازن.
​كانت بقالها شهور نازلة زن ومناهدة إن الأبيض ده مجرد لون عادي، وإن العرايس مش محتكرينه لنفسهم يعني! ورغم كل ده، وبعد مناقشات وخناقات تهد الحيل، وعدتني في الآخر إنها هتنقي فستان لونه فضي.
​وقتها أنا بلعت الوعد ده وسكت، عشان النهيد والمجادلة معاها كانت محتاجة مجهود أكبر من تجهيز الفرح نفسه.
​”أبيض إيه يعني؟ بدرجة إيه؟” سألتها وأنا بحاول أستوعب.
​سارة بصت لفستاني وقالت بقلة حيلة:
​”نفس الأبيض ده بالظبط.”
​ضحكت ضحكة قصيرة بس عشان أربط على قلبي وأهدى.
​”مستحيل طبعاً.. أكيد فاهمة غلط.”
​”أنا شفتها بنفسي في الأسانسير وهي طالعة!”
​”يمكن لابسة فستان سواريه فاتح أو أوف وايت هادي؟”
​سارة هزت رأسها بنفي وكسرة:
​”نفس القصة ونفس التقفيلة من فوق.”
​الأوضة كلها سكتت وفصلت صوت.
​أمي، ماجدة، حطت الحظاظة على الترابيزة بهدوء يسبق العاصفة.
​”نفس القصة من فوق؟”
​سارة كملت: “ونفس الحزام اللولي اللي على الوسط بالظبط.”
​بصيت للتحت على فستاني.
​الفستان كان كب ستان مظبوط على الجسم، بقصة هادية من فوق، وحزام رفيع مليان لولي وألماظ على الوسط. الجيبة بتاعته نازلة بكسرات واسعة بهدوء، والقماش اخترته بالذات عشان أعرف أتحرك وأرقص بيه براحتي.
​كنت لاقياه من 9 شهور في أتيليه صغير في الزمالك.
​وطنط سهير كانت معايا في البروفات.
​كانت قاعد على الكنبة الكابيتونيه وأنا بقيس ست فساتين، وانتقدت خمسة منهم.
​الأولاني خلي شكل كأني صغيرة أوي.
​الثاني عرض كتافي.
​الثالث “بسيط أوي وما يليقش بعيلتنا.”
​ولما طلعت بأخير فستان، قعدت ساكتة لثواني.
​وبعدين ابتسمت وقالت: “هو ده.. مازن هيتجنن عليه.”
​أنا وقتها افتكرت إن الاهتمام الشديد ده معناه إعجاب ومواقفة منها.
​”هي فصلت نفس الفستان بالظبط؟” أمي سألت.
​سارة هزت رأسها بقلة حيلة: “من غير طرحة.”
​أمي ردت بضيق: “وده مش معناه إنه أحسن خالص.”
​بصيت لنفسي في المراية.
​الميكب أرتيست كانت لسه مخلصة من دقائق. شعري الأسود كان مرفوع كعكة هادية تحت الطرحة، وحلق لولي صغير نازل من ودني.
​الست اللي في المراية كان شكلها هادي ومتماسكة.
​بس أنا من جوة ما كنتش هادية خالص.
​”مازن قال إيه؟” سألت.
​”مش عارفة إذا كان شافها ولا لسه.”
​أمي سحبت تليفونها: “أنا هتنرفز عليها وأحل الموضوع ده.”
​”لا يا أمي.”
​بصت لي: “لا إيه؟”
​”مش عايزة خناق وفضايح في الفندق.”
​”يبقى تغيره!”
​”عارفة.”
​”عايزاني أطلع أكلمها؟”
​اتخيلت أمي داخلة جناح سهير.. اتخيلت الأصوات العالية، والعيياط، وقرايب العيلة اللي هيتقسموا فريقين قبل ما الفرح يبدأ أصلاً.
​سهير كانت شاطرة جداً في إنها تقلب أي مواجهة لدليل إن فيه حد بيعتدي عليها وبيظلمها.
​كانت هتقول إن أمي أهانتها، وهتحلف إن الفستانين مش زي بعض، ويمكن تضغط وتنسحب وما تحضرش الفرح.
​ومازن كان هيقضي الساعة اللي فاضلة قبل الفرح بيحاول يهدّي النفوس.
​وفي الآخر، بطريقة ما، أنا اللي هطلع غلطانة ومطالبة أصلح الجو وأصالح الكل.
​السيناريو ده اتكرر مليون مرة طول فترة الخطوبة.
​”أنا هكلم مازن،” قلت.
​وش أمي اتشنج: “المفروض يكون عارف لوحده.”
​”يمكن ماشافهاش.”
​”يا فريدة…”
​”أرجوكِ يا أمي.”
​رجعت خطوة لورا.
​سحبت التليفون ورنيت.
​مازن رد بعد رابع رنة.
​”كل حاجة تمام يا حبيبتي؟”
​صوته كان هيص وفرحان، ووراه دوشة ناس بتتكلم.
​”شفت مامتك؟”
​سكت شوية.
​السكوت ده قال لي أكتر من أي إجابة.
​”أه.”
​”لابسة إيه؟”
​اتنهد: “يا فريدة…”
​”لابسة إيه يا مازن؟”
​”فستان أبيض.”
​”زي فستاني بالظبط؟”
​”مش بالظبط أوي يعني…”
​بصيت لسارة.. كانت باصة في الأرض.
​”إيه المختلف فيه؟”
​”الأكمام، يمكن؟”
​”فستاني مالوش أكمام يا مازن!”
​”أهو.. يبقى فيه اختلاف أهو!”
​غمضت عيني: “مازن…”
​”هي بتقول إنها مفصلاه من شهور.”
​”على أساس فستاني أنا!”
​”بتقول القصة كلاسيك وعادية.”
​”والحزام اللولي اللي على الوسط كمان كلاسيك؟”
​وطى صوته: “أنا معترف إن الاختيار مش أفضل حاجة.”
​”مش أفضل حاجة بس؟!”
​”أنا اتكلمت معاها والله.”
​”وقلت لها إيه؟”
​”سألتها لو معاها فستان تاني تغيره.”
​”وقالت إيه؟”
​”زعلت وأتقمصت.”
​”وهي لابسة إيه دلوقتي؟”
​ما ردش.
​أمي قربت مني وهي بتبص لوشي بقلق.
​”مازن.. هي هتغير الفستان ولا لأ؟”
​”لأ.”
​الأوضة كأنها سخنت فجأة والشهقة حنقتني.
​”ليه؟”
​”بتقول الفستان مكلفها كتير ومافيش وقت تتصرف.”
​”إحنا في فندق حواليه ألف محل وأتيليه!”
​”الفرح فاضل عليه ساعتين يا فريدة.”
​”نقدر ننزل نجيب أي حاجة جاهزة بسرعة!”
​”هي بتقول مش هتحط نفسها في موقف إحالة وتغير عشان تعجب حد.”
​بصيت من بلكونة الجناح على الشارع تحت.
​الفرح كان هيتعمل في “قصر الطاهرة” أو مكان آثري فخم على أطراف القاهرة؛ جنينات، وسقف عالي، وقاعة معروفة للمناسبات الثقيلة.
​العيلتين بقالهم شهور بيتكلموا عن الفرح وهيطلع حلو إزاي.
​حتى مجلة مشهورة كانت طالبة تصوّر الفرح لأن بابا مازن شركته كانت لسه مخلصة مشروع عقاري ضخم على النيل. وسهير كانت طايرة بالاهتمام ده.
​كانت بتتكلم عن تصوير المجلة أكتر ما بتتكلم عن الجوازة نفسها.
​”كلمها تاني يا مازن.”
​”كلمتها خلاص.”
​”لأ، قولها ما ينفعش تلبس فستان عروسة في فرحنا!”
​”بتقول ده مش فستان عروسة لأنها مش حاطة طرحة!”
​سارة طلعت صوت غيظ مكتوم.
​مازن سمعه: “مين معاكِ؟”
​”أمي وصاحباتي.”
​”أرجوكِ ما تخليش الموضوع يكبر أكتير من كده.”
​كنت هضحك من كتر الجنان: “أمك مصلحة فستاني يا مازن!”
​”عارف إن الشكل بايخ.”
​”بايخ بس؟ ده مصيبة!”
​”أنا متفق معاكِ!”
​”يبقى اتصرف وحلها!”
​”عايزاني أعمل إيه يعني؟ أقلعها هدومها بالعافية؟”
​”عايزاك تقولها إنها مش هتدخل الفرح وهي متنعنشة كأنها العروسة!”
​سكت.
​ورا التليفون، حد كان بيسأله عن زراير القميص الكبَك.
​غطى المايك، رد، ورجع لي: “نقدر نتكلم لما نوصل؟”
​”لأ.”
​”يا فريدة، إحنا بنتجوز النهاردة!”
​”أنا عارفة.”
​”مش عايز ده يبوظ صباحية فرحنا.”
​”ولا أنا كنت عايزة.”
​”هي مش هتاخد مكانك يا فريدة.”
​”الموضوع مش مين ياخد مكان مين!”
​”أنا عارف إنك أنتِ العروسة والكل عارف!”
​”أمك لابسة زيي ليه بقى؟!”
​اتنهد.. تنهيدة زُهق وتعب مش اهتمام.
​كنت عارفة التنهيدة دي.
​معناها إن المشكلة بالنسبة له بقت رد فعلي العاطفي أنا، مش تصرف أمه المستفز!
​”أرجوكِ،” قال، “بلاش نديها فرصة إنها تنكد علينا.”
​دي كانت نصيحته الدائمة كل ما سهير تعدي حدودها.
​ما تتفاعليش.
​ما تديهاش أهمية.
​ما تبوظيش اليوم.
​كل طلب من دول كان بيطلب مني أبلع الإهانة في سكات عشان باقي الناس تفضل مرتاحة!
​”أنت عايزني أعمل إيه دلوقتي بالظبط؟” سألته.
​”تعالي الفرح. اتجوزيني. واعملي نفسك مش شايفه الفستان.”
​بصيت لنفسي في المراية تاني.
​أنا كنت بحب مازن.
​والحقيقة دي هي اللي كانت مصعبة كل حاجة.
​إحنا اتعرفنا من أربع سنين في عيد ميلاد صاحبنا. كان جدع، دمُه خفيف، ومهتم بيّ من غير تصنع. بيفكر التفاصيل الصغيرة، بيكلمني في ميعاده، وبيعمل القهوة الصبح وما بيشتكيش لما بشتغل لوقت متأخر.
​طول فترة علاقتنا، كنت فاكرة إن سهير هي المشكلة الوحيدة.
​كانت بتعلق على جسمي، على عيلتي، على شغلي، وعلى شقتنا.
​وكانت بتقول عليّ “حساسة زيادة” كل ما أعترض.
​ومازن كان دايماً يعتذر لي بعدها.
​بس عمره ما وقف وشها في نفس اللحظة.
​كنت بقول لنفسي معلش.. محتاج وقت يتعلم.
​وأنا واقفة في جناح الفندق صباحية فرحي، قعدت أفكر هو التعليم ده محتاج وقت قد إيه تاني؟
​”قولها إنستاي إنها تغير،” قلت له.
​”هحاول تاني.”
​”مش تحاول.. تؤمرها.”
​”يا فريدة…”
​”قولها يا مازن.”
​”ماشي.”
​وقفل الخط.
​أمي قعدت جنبي: “قالك إيه؟”
​”هيكلمها.”
​”أنتِ مش مصدقة إنها هتغير.”
​”لأ.”
​أمي بصت لسارة، وبعدها للباب المقفول بتاع الأوضة اللي فيها باقي البنات.
​”عايزة نأجل الفرح؟”
​السؤال ده خوفني أكتير من فستان سهير نفسه.
​”لأ.”
​”تطلبي التأجيل عادي.”
​”عارفة.”
​”الفرح مش مسألة حياة أو موت.”
​”عارفة.”
​”مش لازم تشيلي هم العربون، والمصورين والمعازيم.”
​”عارفة.”
​سكتت واستنتني.
​ظبطت طرف الطرحة: “أنا عايزة أتجوزه.”
​”يبقى اتجوزيه.”
​نبرتها ما كانش فيها أي لوم.
​”بس ركزي أوي في اللي هيحصل النهاردة،” كملت.
​بصيت لها: “تقصدي إيه؟”
​”ركزي مين بيكسر عشان مين.. ومين بيحمي مين.”
​قبل ما أرد، حد خبط على الباب.
​منظمة الفرح دخلت وهي ماسكة شنطة هدوم كبيرة.
​كان اسمها فاليريا، ست صغيرة بس بتعرف تسيطر وتهدّي الدنيا وسط قرايب العائلات الأغنيا.
​قفلت الباب وراها: “أنا جبت خيارات.”
​فتحت السوستة.
​كان فيه فستانين سواريه فخام.
​واحد رصاصي هادي.
​والثاني كحلي غامق.
​”دول منين؟” سألتها.
​”من الأتيليه اللي تحت في الفندق.”
​”عشان طنط سهير؟”
​فاليريا هزت رأسها: “مازن هو اللي طلبهم.”
​حسيت بارتياح بسيط.
​”وهي وافقت؟”
​وش فاليريا جاوب قبل لسانها: “لأ.. رفضت.”
​أمي وقفت: “وديني عندها.”
​”يا أمي…”
​”لأ، لحد هنا وكفاية!”
​فاليريا رفعت إيدها: “يا مدام ماجدة، أرجوكِ.. أستاذ مازن بيتكلم معاها دلوقتي.”
​بصيت في الساعة.
​فاضل ساعة و38 دقيقة على كتب الكتاب.
​”هي بتقول إيه؟” سألت.
​”بتقول إنها اختارت الفستان ده عشان بيخلي شكلها حلو.”
​”وفيه مليون فستان ثاني بيخلي شكلها حلو!”
​”قلت لها كده.”
​”هي فاهمة إنه شبه فستاني بالظبط؟”
​”بتقول إنكم بتهولوا الشبه.”
​سارة فتحت تليفونها: “أنا صورتها صورة.”
​مدت إيدها بالتليفون.
​الصورة كانت لسهير واقفة قدام الأسانسير مع اثنين من قرايبها.
​كانت لابسة فستاني.
​مش شبهه.. لا ده هو بحد ذاته!
​نفس القصة الستان.
​نفس الحزام اللولي.
​نفس الجيبة الواسعة.
​الفرق الوحيد إن مافيش طرحة، وإنها حاطة حلق ألماظ أكبر بكتير.
​وكانت بتبتسم للكاميرا بثقة.
​كانت عارفة كويس أوي هي بتعمل إيه.
​أمي أخدت التليفون: “الست دي طالعة كأنها هي العروسة ورابحة تجوز ابنها!”
​واحدة من البنات دخلت: “فيه إيه يا جماعة؟”
​سارة ورتها الصورة.
​في ثواني، الأوضة كلها عرفت.
​المكان اتقلب غضب.
​واحدة اقترحت تدفق عليها كاس نبيذ أحمر أو شاي.
​تانية قالت نشيل الحزام بالعافية.
​وبنت خالتي قالت الأمن المفروض يمنعها تدخل القاعة إلا لما تغير.
​”لأ،” قلت بصوت عالي.
​الكل سكت.
​”مش عايزة حد يلمس فستانها.”
​”ليه يا فريدة؟” سألوا.
​”عشان ساعتها الحكاية هتبقى اللي إحنا عملناه فيها، وتطلع هي الضحية.”
​”بس هي بتهينك!”
​”عارفة.”
​أمي بصت لي: “أمال هتعملي إيه؟”
​ما كنتش عارفة.
​تليفوني رن.
​مازن.
​”مش هتغير،” قالها على طول.
​من غير سلام.
​من غير اعتذار.
​النتيجة وبس.
​”قلت لها إيه؟”
​”قلت لها الفستان مش مناسب.”
​”وهي؟”
​”بتقول إنك متوترة من الفرح وبتهولي.”
​بصيت للصورة: “هي نقشت الفستان من بروفتي!”
​”بتقول الخياطة غيرت تفاصيل.”
​”تفاصيل إيه؟”
​”مش عارف.”
​”أنت بصيت عليها؟”
​”أه.”
​”شكلها زي العروسة؟”
​سكت ثواني: “أه…”
​الصوت كان واطي ومكسور.
​”يبقى سايبها لابسه ليه؟”
​”قعدت تعيط!”
​كنت هضحك بذهول: “طبعاً لازم تعيط!”
​”بتقول اليوم ده يهمها هي كمان.”
​”ده فرح ابنها!”
​”بالظبط.”
​”مش فرحها هي!”
​”قلت لها كده.”
​”وقالت إيه؟”
​”قالت إني ببيعها عشانك.”
​أهو.. ظهرت الحقيقة.
​سهير كانت بتتعامل مع أي حد فاصل على إنه منافسة.
​لو مازن اختارني، يبقى سابها.
​لو دافع عني، يبقى خانها.
​لو فرحنا ركز علينا، يبقى هي برة اللعبة.
​”وقلت لها إيه؟” سألت مازن.
​”قلت لها ده مش حقيقي.”
​”وبعدين؟”
​”ترجيتها تلبس الكحلي.”
​”وقالت إيه؟”
​”قفلت على نفسها باب الحمام وقعدت تعيط.”
​أمي هزت رأسها بيأس.
​ضغطت بإيدي على جبهتي: “مازن، اسمعني كويس. هي تحضر الفرح لو غيرت.”
​”يا فريدة…”
​”لو فضلت لابسة الفستان ده، مش هتدخل القاعة ولا تحضر كتب الكتاب.”
​سكت خالص.
​”أنا بتكلم بجد.”
​”دي أمي يا فريدة!”
​”وأنا عروسة عمرك!”
​”عارف!”
​”عارف بجد؟”
​”ده ظلم منك.”
​”لأ، ده موقفي الواضح.”
​وطى صوته: “لو قلت للأمن يوقفوا أمي على الباب، عيلتي كلها هتمشي وتسيب الفرح.”
​”وأنت؟”
​”إيه؟”
​”أنت هتمشي معاهم؟”
​ما ردش في ساعتها.
​التأخير ده غير حاجة جويا للأبد.
​”مازن؟”
​”مش عارف عايزاني أقول إيه!”
​”عايزاك تقول إنك هتقف جنب الست اللي بتبدأ معاها حياتك!”
​”أنا واقف جنبك أهو!”
​”أنت واقف في أوضة ثانية وبطلب مني أستحمل الإهانة وأسكت!”
​صوته بقى منرفز: “عايزة إيه يعني؟ خناقة وفضيحة قدام المعازيم قبل كتب الكتاب؟”
​”لأ، عايزة حد محترم ينحط بيننا وبينها.”
​”هي عمرها ما هتغفر لي الموقف ده.”
​غمضت عيني: “وأنت هتغفر لنفسك لو سمحت لها تعمل كده؟”
​ما ردش.
​الأوضة كانت ساكتة لدرجة إن الكل كان سامع صوته من التليفون.
​”فريدة،” قال بحرص، “نقدر نعدي اليوم ونحل الموضوع ده بعد الفرح.”
​”لأ.”
​”ليه؟”
​”عشان بعد الفرح هيكون اللي حصل حصل خلاص.”
​”ده مجرد فستان!”
​”دي رسالة!”
​”رسالة إيه؟”
​”إنها تقدر تهينني وأنت هتحميها من العواقب!”
​”أنا مش بعمل كده!”
​”اثبت لي بقى.”
​وقفت الخط.
​إيدي كانت بترعش.
​أمي أخدت التليفون من إيدي وحطته على الترابيزة.
​”كلامك كان واضح،” قالت.
​”لو اختارها هي يا أمي؟”
​”يبقى عرفتي الحقيقة قبل ما توقعي على قبالة الجواز.”
​صدري اتقفل: “أنا بحبه.”
​”عارفة.”
​”وده مش مخلّي الموضوع أسهل.”
​”لأ.. ده مخليه أصعب.”
​أمي قعدت جنبي تاني: “لما اتجوزت أباكي، اخت جوزك أهانتني في وسط العزومة.”
​بصيت لها: “عمرك ما حكيتي لي!”
​”قالت إني أخدته طمع وأني أقل من عيلتهم.”
​”وبابا عمل إيه؟”
​”قالها تعتذري فوراً.”
​”واعتذرت؟”
​”لأ.”
​”وحصل إيه؟”
​”طلب منها تلم حاجتها وتمشي من الفرح.”
​برقت لأمي: “طرد أخته من فرحه؟!”
​”أه.”
​”وجدتك ما زعلتش؟”
​”اتجننت.”
​”والعيلة اتصلحت بعد كده؟”
​”بعد فترة.”
​”ليه بتحكي لي ده دلوقتي؟”
​”عشان أباكي كان خايف برضه وقتها.. الشجاعة مش معناها إنك مش خايفة، معناها إن الكرامة لها ثمن لازم يتدفع.”
​أبويا كان متوفي من ست سنين.
​فجأة وحشني أوي لدرجة إن النفس بقى صعب.
​كان هيكره فستان سهير جداً.
​والأهم، كان هيفهم خاف مازن وتردده.
​جت رسالة من فاليريا: العربية جاهزة تحت.
​ونقدر نأخر كتبت الكتاب 20 دقيقة من غير ما ناكل من وقت البوفيه.
​رديت عليها: امشي في الميعاد عادي. وأكدي على أمن الباب بمنع أي حد يتجاوز.
​ردت: تمام.
​صاحباتي ساعدوني أخلص لبس.
​محدش جاب سيرة سهير لمدة 20 دقيقة.
​ركزنا في التفاصيل: الجزمه، البوكيه، الروج، والدبابيس.
​أمي لبستني غوايش ستي الذهبية في إيدي: “تقدر تغيري رأيك في أي لحظة يا فريدة.”
​”عارفة.”
​السكة للقصر أخدت حوالي نص ساعة.
​كنت قاعدة جنب أمي وراء، وسارة قدام.
​كنت ببص من شباك العربية على العربيات والناس في الشارع، المحلات والناس اللي واقفة تستنى الأتوبيس.
​الحياة العادية شغال عادي.
​وده هداني شوية.
​الأفراح بتخلي المشاكل الشخصية تبان ضخمة جداً لأن الكل باصص عليكِ.
​بس برة العربية، محدش مهتم ولا عارف إن حماتي المفترية نادشة فستاني!
​لما وصلنا القصر، فاليريا كانت مستنيانا.
فتحت الباب بس ما طلبتش مني أنزل على طول.
​”طنط سهير وصلت.”
​مسكت البوكيه بجمود: “لابسة إيه؟”
​فاليريا بصت لي: “الفستان الأبيض.”
​أمي برطمت بدعوة تحت ضرسها.
​”والأمن ما وقفهاش؟” سألت.
​”أستاذ مازن طلب منهم يدخلوها.”
​الكلام نزل زي الدبش: “كسر كلامي؟”
​”قال هيكلمك قبل كتب الكتاب.”
​”هو فين؟”
​”في صالون القصر جوة.”
​”وديني هناك.”
​أمي مسكت إيدي: “عايزانا معاكِ؟”
​”لأ.”
​نزلت من العربية.
​المعازيم كانوا بدأوا يتجمعوا في الجنينة.
​المزيكا شغالة. والعمال طالعين نازلين بالورد والشربات.
​كام حد بص على فستاني وبعدين دوروا وشهم بسرعة.. كانوا شافوا سهير!
​الكل كان عارف.
​مشيت ناحية الصالون.
​مازن كان واقف جنب الشباك بالبدلة التوكسيدو. كان شكله وسيم جداً.. وده كان شيء مستفز وموجع في نفس الوقت.
​لما شافني، ملامحه هديت: “طالعة زاي القمر.”
​وقفت على بعد خطوات منه: “عديتها ليه؟”
​بص للباب المقفول: “وعدتني مش هتقف في صور العروسين.”
​”ده مش كفاية.”
​”وقعدت في آخر صف وراء.”
​”ده مش كفاية يا مازن!”
​”قالت مش هتعمل شوشرة.”
​”هي عملت الشوشرة خلاص!”
​اتنهد بقلة حيلة: “ما كنتش أقدر أخلي الأمن يرموا أمي برة!”
​”كنت تقدر تجبرها تغير هدومها!”
​”رفضت!”
​”يبقى هي اللي اختارت تسيب الفرح!”
​”دي أمي!”
​”أنت بتكرر الجملة دي كأنها بتمسح كل عك بتعمله!”
​”عايزاني أعمل إيه دلوقتي يعني؟”
​بصيت له: “عايزاك تطلع تقولها يا تغير يا تمشي.”
​”فاضل 10 دقائق على كتب الكتاب!”
​”يبقى قدامها 10 دقائق تتصرف

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *