خطيبي

إنت غيرانة من أمك ولا إيه؟ لحد ما اكتشفت إن الكلام اللي بيقوله ليها خلف ظهري كان الجريمة اللي مستخبية عني
—
**الفصل الأول: لما بدا الكلام هزار وطلع سر**
أول مرة سمعته بيقولها، ضحكت واعتبرتها نكتة عابرة، خصوصًا إن خطيبي أحمد بطبعه اجتماعي ودمه خفيف، بيحب يهزر ويدخل في القلب بسرعة، وكنت عارفة إن مامته متوفية من سنين طويلة، فكنت فاكرة إنه بيعوض الفراغ ده بوجود أمي، وبيشوف فيها الحنان اللي افتقده من صغره.
كان قاعد جنبي في زيارة عائلية، وبص لأمي وقال بصوت معجب ومسموع: “أمك جامدة أوي يبخت أبوكي بيها.” قلتله بسرعة وأنا بضحك: “اتلم بقى.” ضحك وقال: “ماشاء الله عليها حقًا.” وبعدها بثواني سألني السؤال اللي فضل يرن في دماغي كل ليلة: “هي أفتح منك صح؟”
قلتله وأنا لسه فاكرة إنه بيهزر: “لا طبعًا، أنا أفتح وكده.” هز راسه وقال بابتسامة غريبة: “اتعود عليكو بس.”
في الأول عديت الموضوع وقلت لنفسي عادي، بيحب أمي، وبيشوف فيها أمه اللي فقدها، وده حاجة طيبة ومش غريبة. لكن الجملة فضلت ترن في وديان دماغي، والتركيز اللي كان بيحطه معاها بدأ يزيد بشكل لفت نظري. مش مجرد احترام لخطيبة أهله، ولا تعويض عن أم مفقودة، ده كان إعجاب واضح ومركز بشكل مبالغ فيه، وكل ما أمي تتكلم كان بيركز معاها بكل كيانه، ساكت، مفتح العينين، مستمتع بكل كلمة تخرج من فمها، وبيضحك على أي نكتة حتى لو كانت عادية ومش تستاهل الضحك.
أمي كانت بتعامله من أول يوم كأنه ابنها، بتقوله: “اعتبرني زي والدتك.” وهو كان بيرد عليها بكل إخلاص ظاهر: “ربنا يخليكي لينا يا ست الكل.” وكنت كل مرة أقول لنفسي: الحمد لله، خيرًا ما عملت، ربنا عوضه بأم حنونة، وده هيجعل حياتنا كلها حلوة. لكن الشك بدأ يدخل قلبي لما أمي نفسها جاتني مرة واحنا لوحدنا في المطبخ وقالتلي بقلق: “هو خطيبك ده بيحبني أوي كده ليه؟ ده كل ما يشوفني يسألني عاملة إيه ورايحة فين وبتعملي إيه، وكلام كتير ومش فاهماه.” قلت لها وأنا بحاول أطمنها: “إنتِ أمه البديلة يا ماما، ده طبيعي.” هزت راسها وقالت: “يمكن.” لكن نظرة عينها كانت مليانة قلق مش مطمن.
وبعدها بأسبوع، حصل الموقف اللي غيّر كل شيء. كنت معاه في العربية بنتكلم عن تجهيزات الشقة، وفجأة سألني بصوت عادي بس مخبي حاجة: “بالمناسبة، والدتك قالتلك إيه امبارح؟” استغربت وقلتله: “قالتلي إيه؟ في إيه؟” قال بتوتر سريع ومحاول يخفيه: “لا ولا حاجة خاصة، كنا بنتكلم شوية.” سألته: “وإنت كنت بتكلمها لوحدك؟” اتوتر أكتر وقال: “آه كانت بتسألني على حاجة تخص الشغل.” لما سألته على إيه بالظبط، رد بسرعة: “مش فاكر، كلام عادي.”
هنا جوايا حاجة اتقبضت، لأن أمي عمرها ما كانت بتكلمه في حاجة من غير ما تقولي لي، ولا كانت بتفتح معاه حوارات خاصة لوحدها. قلتله بهدوء: “يعني إنت بتكلمها كتير من ورايا؟” بصلي بحدة وقال: “إنتِ غيرانة من أمك ولا إيه؟” ضحكت غصب عني وقلت: “لا بس بسأل عشان عجبني الموضوع.” قال بلهجة حاسمة: “بطلي تفكير زيادة يا ستي، وخلينا نركز في حاجاتنا.”
سكت، لكن من ساعتها بدأت ألاحظ كل صغيرة وكبيرة. بدأت أشوفه بيبعت لها رسائل خاصة، ويسألها عن رأيها في ألوان الستائر والأثاث قبل ما يسألني أنا، ويتصل بيها لما يكون معايا ويقول لي: “ده عمي ولا حد من الشغل.” وذات يوم كنت قاعدة جنب أمي على السرير، وفجأة ظهر إشعار رسالة منه على شاشة موبايلها، وبمجرد ما شافتني أمي قلبت الشاشة بسرعة وشكلها اتغير. سألتها: “مين يا ماما؟” قالت بسرعة: “أحمد.” قلت: “وبيقول إيه؟” ردت بتردد: “ولا حاجة مهمة، بيسأل على حاجة.”
وقبل ما أتكلم تاني، رن الموبايل بإسمه مرة تانية. بصت أمي للشاشة، وشفت لون وشها يتغير ويتحول لشحوب، وبصتلي بعين دامعة وقالت بصوت مهزوز: “ادخلي الأوضة دلوقتي يا بنتي أرجوك ادخلي.” تجمدت مكاني وقلت: “ليه؟ هو في إيه؟” مسكت إيدي وقالت بصوت مكسور: “هو اللي بيتصل وبيقولي كلام لازم ما تسمعيهوش أبدًا.”
في اللحظة دي، قلبي وقع في رجلي، وبدأت أسأل نفسي: إيه الكلام الخطير اللي ممكن خطيبي يقوله لأمي، ويطلب منها تحديدًا إني ما أعرفوش؟ وإيه اللي بيجمعهم مع بعض خلف ظهري؟ وهل ده فعلاً تعويض عن أم مفقودة ولا حاجة تانية أخطر بكثير؟
—
**الفصل الثاني: السر اللي بدأ يتكشف**
دخلت الأوضة زي ما طلبت، وسديت أذني بيدي لكن كلامها وصلني بصوت خافت ومهزوز. كانت بتقول له: “حرام عليك يا أحمد حرام عليك، دي بنتي وربيتها وأنا عارفة قلبها إزاي تطلب مني كده؟” وسمعته بيقول بصوت عالي ومتعصب شوية: “أنا قلتلك من الأول إني مش هقدر أستمر كده، وإنك فهمتيني غلط من البداية إما تكمل وإلا كل حاجة هتفضح.”
لما قطعت المكالمة، دخلت لي الأوضة وعيونها مليانة دموع، وقعدت جنبي وحضنتني وقالت: “سامحيني يا بنتي سامحيني عشان خاطري، ما كنتش عايزة توجعي، وكنت فاكرة إني هقدر أسيطر على الموضوع.” قلت لها وأنا قلبي مفتوح: “قولي لي كل حاجة من أولها يا ماما، ولا تخبي عني ولا كلمة، عشان أعرف أتصرف.”
بدأت تحكي لي ببطء وألم: من أول زيارة جالنا بيكي، لما شفتني، تغير تمامًا. كان بيتكلم معايا بتركيز غريب، وكل ما يجي يزورك كان بيجيلي أنا أولًا، يسألني عني، يهزر معايا، يمدحني في كل حاجة. في الأول كنت فاكرة إنه بيحترمني وبيشوفني زي أمه، وكنت سعيدة إن ربنا عوضه بالحنان اللي فقده. لكن بعد فترة بدأ يكلمني في الرسائل، ويقول لي كلام ما يناسبش خطيب بنتي، كلام إعجاب ومشاعر، وبيقول لي إنه ما شاف حد في حياتي بجمالي ولا شخصيتي.
سكتت شوية وعيونها مغرقة: “كنت بصده واقوله حرام، ودي بنتي وانت خطيبها، وهو كان بيقول لي إنه مش عايز يأذيك، وإنه بيحبك بس المشاعر اللي بيحسها ناحيتي أقوى وأكبر، وإنك تشبهيني بس أنا أجمل وأكمل وأفهمه أكتر. وكنت خايفة أقولك عشان ما تهدم بيتك قبل ما يتبنى، وكنت فاكرة إنه هيعقل وينسى، وكنت بحاول أصدّه بكل أدب من غير ما أثير مشاكل، لكن هو مستمر وبيزيد.”
وقتها حسيت إن الدنيا كلها وقعت فوق راسي. كل اللي كان بيعتبره حنان وتعويض، طلع خيانة ومشاعر حرام مستخبية خلف ستار الاحترام والأمومة. لما كنت فاكرة إنه بيحبني وبيشوف فيّ نصيبه، كان هو في الحقيقة بيشوف فيّ نسخة أقل جودة من أمي، وبيقارن بينا طول الوقت، وكل ما يقول لي “هي أفتح منك صح؟” كان بيقول لي بكل بساطة: أنا عايزها هي، وأنت مجرد بديل مش مناسب.
—
**الفصل الثالث: المواجهة**
في اليوم التالي، جالي كالعادة، وكنت قاعد معاه في الصالة، وشكلي هادي بس جوايا بركان جاهز ينفجر. قلتله بهدوء تام: “تعالى نكلم كلمتين من غير هزار ولا لف ودوران.” ابتسم وقال: “خير يا ستي، إيه اللي شاغلك؟” قلتله: “أعرف كل حاجة يا أحمد، كل الرسائل، كل الكلام، كل المقارنات اللي كنت بتقولها ليها خلف ظهري.”
لما سمع الكلام، لون وجهه شاحب، وابتسامته اختفت، وبدا يتوتر ويحاول يبرر: “ده مش زي ما بتفتكري، ده مجرد تعلق واحترام، أنا شايف فيها أمي…” قاطعته بحدة: “أمك ماتت، ودي أم خطيبتك، وانت كنت بتقول لها كلام ما يقولوش راجل لست أجنبية، فضلاً عن أم اللي هيتجوزها. وكنت بتقارن بيني وبينها، وتقول لي على وشي إنها أجمل وأفتح وأفهمك، وإنك مجبر عليّ.”
سكت شوية، وبعدين نطق بالحقيقة اللي كانت مستخبية: “أنا لما شفتك أول مرة، شفت فيها صورتك وأنت صغيرة، وكنت فاكر إنها هي اللي كنت بدور عليها. ولما عرفت إنك بنتها، قلت لنفسي هكمل، وبعدين قدرت أتأقلم لكن كل ما أشوفها قلبي بيروح لها، ومش عارف أسيطر على نفسي.”
قلت له بصوت مهزوز: “يعني كل الفترة دي كنت عايش معايا الكدبة؟ كل كلامك عن الحب والمستقبل كان مجرد محاولة تعويض فاشلة؟ وكل ما كنت تقولي ‘اتعود عليكو’ بس كنت تقول لنفسك: هحاول أحب البنت لحد ما أتعود وأنسى الأم؟” نظر لي بندم وقال: “أنا آسف، ما كنتش عايز أأذيك، حاولت كتير لكنها أول ما شفتها ملكت قلبي من غير ما أتكلم.”
—
**الفصل الرابع: صدمة أمي**
بعد ما سمعت أمي الكلام ده، انهارت تمامًا، وقعدت تبكي وتقول: “أنا اللي أخطأت، أنا اللي سمحت له يكلم ويتكلم، كنت فاكرة إنه ابن، وطلع عدو بيحاول يفرقنا.” قلت لها وأنا بحضنها: “ده مش ذنبك يا ماما، ده ذنب راجل ماعندهش ضمير، استغل حنانك وطيبتك، واعتبرك وسيلة لغاية في نفسه.”
لقد كانت الصدمة كبيرة عليها، لأنها كانت تعامله كابن لها، وتتمنى لي كل خير معاه، وطلع هو اللي بيحاول يدمر كل حاجة بيده، ويفرق بيني وبينها بأبشع طريقة ممكنة. وبدأت أفهم لماذا كانت تخبي عني، كانت خايفة أتألم، وخايفة أفقد الثقة فيها، وخايفة يضيع مستقبلي، لكن الحقيقة إن الصدق كان أهون وأرحم بكتير من الخداع.
—
**الفصل الخامس: حقيقة المقارنة**
عرفت في تلك اللحظة معنى كل جملة كان يقولها لي:
لما قال “أمك جامدة أوي يبخت أبوكي بيها” كان بيقول إنها هي اللي يستاهل الراجل، وإن أبوها محظوظ بيها، وأنا مش بنفس المستوى.
لما قال “هي أفتح منك صح؟” كان بيحاول يثبت لنفسه ولي إنها الأفضل، وإنني مجرد نسخة مش كاملة منها.
ولما قال “اتعود عليكو بس” كان بيعترف إنه مش عايزني، وبيحاول يجبر نفسه عليا عشان ما يخسر الفرصة، وعشان ما يظهر قدام الناس بصورة وحشة.
كل كلمة كانت سهم بيتصوب لقلبي، وكل ضحكة كانت قناع بيخبي وراه رغبة حرام ومشاعر ما ينبغيش تكون موجودة أبدًا. ووفاة أمه لم تكن عذرًا ولا مبررًا، بل كانت مجرد باب استخدمه ليدخل منه ويخدعنا جميعًا، ويقنعنا إن كل ده مجرد تعلق بأم بديلة.
—
**الفصل السادس: القرار الصعب**
في اليوم ده، اتصلت بأهله وقلتلهم كل الحكاية، ورددت عليه كل الهدايا، وقلت له الكلمة الأخيرة: “إنت مش عايزني، وإنت مش شايفني، إنت شايف فيّ طريق يوصل لأمي، وده شيء مستحيل يقع أبدًا. جوازنا انتهى من هنا، وكل ما بينا خلاص.”
حاول يتوسل ويقول إنه هيتغير وينساها، وإن الحب جاء متأخر، لكني كنت عارفة إن الجرح أعمق وأكبر من أي اعتذار، وإن الثقة اللي انهارت مستحيل ترجع تاني. وقلت له بكل قوة: “اللي بيحب حد، بيحبه هو لشخصه، مش عشان شبه حد تاني، ولا عشان بيقارنه بحد. وأنا مش هقبل أكون بديل أو نسخة تانية من أي واحدة، ولا حتى أمي.”
—
**الفصل السابع: الندم المتأخر**
بعد أيام جالي مرة أخيرة، وبكى وقال: “كنت أعمى، كنت فاكر إن الحب شبه وجمال، ونسيت إن الحب احترام وضمير وأمانة. لقد خسرت الاثنتين بسبب غبائي وجنوني، وندمي مش هينفعني حاجة.” قلت له: “الندم ما بيرجعش اللي فات، والأهم من كل ده إنك تعرف إن الخطأ ده ما يتكررش مع حد تانية. وأنا وأمي كنا نستاهل احترام أكتر من ده.”
ومن يومها اختفى، وسمعت إنه سافر لمدة طويلة، وكل اللي بينا انتهى بجرح عميق لكنه علمني درس عمره ما يتنسي.
—
**الفصل الثامن: ما بيني وبين أمي**
مرت الأيام، وبدأت الجروح تبرأ شوية شوية، وعلاقتي بأمي رجعت أقوى وأقوى من أول، لأننا كنا واضحين مع بعض، ووقفنا جنب بعض في المحنة دي. قالت لي مرة: “أنا آسفة مرة تانية يا بنتي، ما كنتش عارفة إن الطيبة ممكن تُستخدم ضدنا.” قلت لها: “ده مش ذنب الطيبة يا ماما، ده ذنب ناس ماعندهاش أمانة. والأهم إننا عرفنا الحقيقة قبل ما يكون فات الأوان.”
وعرفت إن الثقة بين الأم وابنتها هي أغلى ما نملك، ولا ينبغي أبدًا أن نخبي عن بعض شيء خوفًا من الألم، لأن الحقيقة مهما كانت قاسية، هي أرحم وأبقى من الخداع.
—
**الفصل التاسع: الدرس الكبير**
من القصة دي تعلمت دروس كتير مهمة:
الحب الحقيقي بيحبك لشخصك أنت، مش لشبهك بحد، ولا عشان أي سبب تاني.
أي مقارنة بينك وبين أي حد، وخصوصًا أهلك، هي علامة تحذير كبيرة، وبداية لانعدام الاحترام.
وفاة الأهل أو الفقد مش مبرر للخيانة أو استغلال الحنان أو إيذاء الغير.
وما فيش حاجة اسمها غيرانة من الأهل، ده مجرد كلام بيستخدموه عشان يلغوا شكوكك ويخدعوك أكتر.
وكل ما يأتيك شعور بالشك أو عدم الارتياح، لا تهمليه ولا تعتبريه وسوسة، لأن قلبك وعقلك دائمًا بيحذروك قبل ما تقع الفأس في الراس.
—
**الفصل العاشر: الخاتمة**
اليوم، بعد ما مرت شهور، أنا وأمي بنعيش حياتنا بطبيعتنا، وبدأت أستعيد ثقتي في نفسي وفي الحياة، وعارفة إن ربنا هيجازيني خيرًا على صبري، وإن اللي ضاع مني ما كانش نصيبي ولا كان يستاهلني. وكل ما أتذكر الكلام اللي كان يقوله، أشكر الله إنه كشف لي الحقيقة قبل ما أربط حياتي بشخص ما يعرف معنى الحب ولا الأمانة ولا الاحترام.
وأخيرًا أقول لكل بنت: لا تقبلي إنك تكوني بديل، ولا تقبلي المقارنة، ولا تسمحي لأحد يلعب بمشاعرك ويستغل طيبة أهلك. أنت ثمينة، وأهلك أغلى ما تملكي، ومن لا يحترمهم ولا يحترمك، فهو لا يستاهل أن يكون له مكان في حياتك أبدًا.
والحمد لله اللي كشف الحق، ونجانا من الشر قبل ما يتم.
**تمت القصة بحمد الله وتوفيقه**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *