بعد. تسع سنين شقا

​”وعارفين عملت إيه؟”.. كملت وأنا بصرخ بالحق اللي اتدفن:
“أنا اللي أخدت القرض باسمي! أنا اللي بعت حتة الأرض اللي حيلتي وضحينا بأحلامي عشان أسدد الفلوس وأحميه من السجن! تسع سنين شقا عشان ألم لحمي وأسدد ثمن غلطته.. واليوم اللي أشتري فيه عربية من عرق جبيني بعد ما خلصت ديونه، طالع يضربني ويقلعني حقي عشان يرضي بنته المدللة!”
​القاعة انفجرت! المعازيم بدأوا ينفخوا ويتهامسوا بصدمة، ونظرات الاحترام لبابا اتحولت في ثانية لنظرات احتقار وقرف.
​بابا كان واقف حاطت إيده على قلبه وشّه أبيض زي الصوف، وماما انهارت على الأرض بتعيط، وفريدة واقفة مش مصدقة إن السر اللي كان حامي برستيجهم قدام الناس والمجتمع اتفضح في ثواني!
​بصيت لبابا أخيرًا، ورميت مفتاح العربية في جيبي بكل كبرياء، وقلتله:
“أنا كده سددت كل فواتير العيلة دي.. ومن النهاردة، مالكوش بنت اسمها نادين!”

​درت ظهري ومشيت بثقة ناحية الباب، وصوت كعبي كان يرن في القاعة الساكتة.. بس قبل ما أحط إيدي على أكرة الباب، سمعت صوت حركة غريبة وصريخ مرعب ورايا…
الصوت كان صوت أمي.. كانت بتصرخ باسم بابا بانهيار، والكلمات طالعة منها متقطعة من كتر الرعب.
​لفيت وشي بسرعة.. لقيت بابا مرمي على الأرض وسط القاعة الفخمة، ووشّه اللي كان لسه بيزعق وبيتحداي، اتحول فجأة للون أزرق شاحب، وإيده بتضغط على صدره بقوة كأنها بتمزق قميصه. كان بيحاول ياخد نفس، بس الهوا كان رافض يدخل صدره.
​فريدة كانت واقفة جنبهم متجمدة في مكانها، وشها مخطوف، والموبايل وقع من إيدها على الأرض. شريف (جوزها) هو اللي كان بيحاول يسعفه، صوته كان عالي وبيطلب من المعازيم يوسعوا المكان.
​في اللحظة دي، كل مشاعر الدنيا اتصارعت جوايا. الكره، الوجع، السنين اللي اتحرمت فيها من كل حاجة عشان أرقع غلطاته.. كل ده اتصارع مع التربية والإنسانية اللي جوايا.
​ماما بصتلي من وسط دموعها، نظرة استغاثة ممزوجة بالندم، وقالت بصوت ضعيف: “نادين.. الحقيه.. ده أبوكِ!”
​قلبي داب في لحظة، ورغم كل اللي عملوه، ما قدرتش أشوفه بيموت قدامي وأنا واقفة أتفرج. جريت عليهم وطلعت تليفوني واتصلت بالإسعاف بسرعة، ووجهت المعازيم اللي كانوا متجمهرين: “لو سمحتوا، حد فيكم دكتور؟ حد يوسع المكان، وفروا له أكسجين!”
​بمجرد ما الإسعاف وصلوا وأخدوه، القاعة بقت فاضية وموحشة. فريدة كانت بتبكي، بس نظراتها ليا كانت اتغيرت.. بقت نظرة خوف.. خوف من الحقيقة اللي فجرتها، وخوف من إنها خلاص فقدت السند اللي كانت بتستقوي بيه عليا.
​وقفت قدام باب القاعة، الهوا البارد لمس وشي وريحني. بصيت لفريدة وقلتلها بصوت هادي ومسموع:
“أنا عملت اللي يمليه عليا ضميري، مش عشان خاطركم.. بس عشان ما أكونش زيه.”
​خرجت لساحة الجراج، الليل كان هادي والنجوم منورة فوق. مشيت ناحية عربيتي الـ BMW.. لمست جسمها المعدني، حسيت إنها هي الحاجة الوحيدة اللي بتمثل حريتي. فتحت الباب، ركبت، وشميت ريحة الجلد الجديد.. حسيت بدمعة سخنة نزلت على خدي، مش حزن، بس كان وجع فراق لعيلة كنت فاكراها هي الأمان، وطلعت هي الخطر.
​دورت الموتور.. صوت الموتور كان بيعلن بداية حياة جديدة. اتحركت بالعربية ناحية بوابة القصر، وبصيت في المراية للمرة الأخيرة على المكان اللي سبيت فيه شبابي، وقررت إني مش هبص لورا تاني.
​الطريق كان فاضي، والأسفلت كان بيجري تحت العجل.. وأنا بسوق، تليفوني رن.
كان أستاذ كمال (المحامي). رديت وصوته كان جاد:
“نادين.. اللي عملتيه النهاردة ده كان طوق النجاة الوحيد ليكي.. بس لازم تعرفي حاجة، عيلتك مش هتسكت، والسر اللي طلعتيه ده هيفتح أبواب تانية كتير.. إنتِ جاهزة للمواجهة الجاية؟”
​ابتسمت ابتسامة باردة، ودست بنزين أكتر وأنا بقوله:
“أنا كنت بتموت في السجن بتاعهم يا أستاذ كمال.. دلوقتي، مفيش حاجة تانية أخاف عليها.”
قفلت السكة مع أستاذ كمال، وركنت العربية على جانب الطريق والسماء كانت بدأت تتكحل بأول خيوط الفجر.
​مشاعر متضاربة كانت بتأكل في صدري: نشوة الانتصار، مع وجع الخيانة، على القلق من اللي جاي.. بس كل ده تبهت قدام شعور واحد بس.. الحرية! لأول مرة من تسع سنين، أحس إن نفسي ملكي، ومفيش حد ليه كلمة عليا.
​عدى يومين..
بابا عدى مرحلة الخطر في المستشفى بعد ما الأطباء لحقوا أزمة قلبية حادة، بس الدكتور قالهم إنه محتاج راحة تامة وما يتعرضش لأي ضغط نفسي. وطبعًا، العيلة استغلت ده عشان تطلعني أنا “البنت العاقة” اللي كانت هتقتل أبوها عشان عربية!
​لكن الصدمة الحقيقية جاتلي يوم الأحد الصبح..
​كنت قاعدة في شقتي البسيطة اللي أجرترها بعيد عنهم، وبحضر قهوتي، لما جالي إشعار على الموبايل من البنك.
أول ما فتحت الرسالة، القهوة كادت تقع من إيدي!
تم تجميد حساباتك البنكية بناءً على أمر قضائي وتظلم مقدم من السيد: طارق…
​وقفت في مكاني مش مصدقة!
بابا وماما، وهو لسة في سرير المستشفى، رفعوا عليا ق\ضية حجر، وبيطالبوا باسترداد “أموال العيلة” وبيدعوا إن الفلوس اللي شريت بيها العربية وحساباتي في البنك هي في الأصل فلوس بابا وأنا استوليت عليها بنفوذي!
​تليفوني رن، وكان أستاذ كمال:
“نادين.. القنبلة اللي انفجرت في الحفلة خلتهم يلعبوا كروت انتحارية. طارق وفريدة مستعدين يخسروا كل حاجة بس ما تخرجيش أنتِ المنتصرة.. هما متخيلين إنك هتترجي وترجعي عشان ترفعي التجميد.”
​ضحكت بصوت عالي، ضحكة كان فيها كمية غل ووجع مش طبيعية.
“هما فاكرين إن نادين بتاعت زمان هي اللي واقفة قدامهم؟ فاكرين إني هجري وأبوس إيديهم عشان يفكوا الحسابات؟”
​أستاذ كمال نبرة صوته اتغيرت وبقت صلبة:
“طب ونواياكي إيه يا نادين؟ اللعب بقا على المكشوف، والأوراق اللي معايا لو اتدمجت في الق\ضية دي، مش بس هتردلك حساباتك والعربية.. دي ممكن تودي أختك وأبوكي في داهية وتفتح ملفات اختلاس قديمة محدش يقدر يقفلها.”
​أخدت نفس عميق، وبصيت لمفاتيح الـ BMW اللي كانت محطوطة على الترابيزة بتلمع تحت نور الشمس.
​”أستاذ كمال.. حضر أوراق الق\ضية كلها. واكتب اسمي على كل وثيقة بخط عريض.. أنا مش بس هدافع عن نفسي، أنا هاخد حق التسع سنين دول بالفوائد!”
​وفي نفس الليلة.. جالي كارت دعوة غريب على الباب، من شخص ما كنتش متوقعة إنه يتدخل في الحرب دي أبداً!
فتحت الظرف الفخم.. الكارت كان أسود بذهب لمع، ومكتوب فيه بخط رقعة أنيق:
​”الآنسة نادين.. الحق بيتاخد، مش بيتوهم. مستنيكي بكرة الساعة 8 مساءً في مطعم (…). الموضوع يخص عيلتك.. ويخص أمنك.”
التوقيع: حازم الراوي.
​أول ما قريت الاسم، قلبي دق بقوة!
حازم الراوي.. الشريك التنفيذي ورئيس مجلس إدارة الشركة اللي بابا كان شغال فيها! الراجل اللي بابا اختلس منه الفلوس من ثلاث سنين، واللي أنا دفعت كل حيلتي عشان أصلح المصيبة من وراه من غير ما حازم يدرى ويحبسه!
​إيه اللي جابه في الصورة دلوقتي؟! وهل عرف بالسر اللي قلته في الحفلة؟
​التفكير أكل دماغي طول الليل. وفي الميعاد بالظبط، كنت قاعدة قدامه في المطعم الهادي. حازم كان راجل في أواخر الأربعينات، شخصيته حادة، ونظراته زي الصقر، هيبة ووقار من بتوع رجال الأعمال الكبار.
​سحب نفس من فنجان القهوة وبصلي بابتسامة خفيفة وقال:
“يا أهلا بـ نادين.. البنت اللي شايلة العيلة على كتافها من سنين، وفي الآخر رموا طوبتها عشان عربية!”
​أتاري الفضيحة وصلتله! القاعة كان فيها أكابر البلد، والأخبار بتطير زي النار في القش.
​رديت بثبات وحسم: “حضرتك عزمتني عشان تشمت فيا يا حازم بيه؟ ولا في سبب تاني؟”
​ضحك ضحكة قصيرة وقال:
“أنا مش بتاع شماتة يا نادين.. أنا رجل أعمال، وبحسبها بالأرقام. أنا عرفت بالسر اللي قلتيه في الحفلة.. وعرفت إن طارق كان فاكر إنه خادعني من ثلاث سنين ولعب في الميزانية، وأنتِ اللي سددتي من جيبك عشان تغطي عليه.”
​سكت شوية وبصلي بجدية مرعبة وسند على الترابيزة:
“بس اللي إنتِ ما تعرفيهوش يا نادين.. إن أبوكِ ما اتعلمش الدرس!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *