رجعت بلدي

خرجت من البيت وأنا حاسس بغصة في حلقي، رغم إني أخدت حق أمي، بس مرارة الخيانة من الأخ مالهاش دوا.

رجعت الفندق. أول ما فتحت باب الجناح، لقيت أمي قاعدة على الكنبة، لابسة جلابيتها النظيفة، ومسكة سبحتها وبتردد أذكارها. أول ما شافتني ابتسمت، بس لما لمحت ملامح وشي المجهدة، قامت وقربت مني بخطوات بطيئة:

— سيد.. عملت إيه يا ابني؟ أخوك جرى له حاجة؟

قعدت على الأرض قدامها وحطيت راسي في حضنها، زي ما كنت بعمل وأنا عيل صغير:

— البيت رجعلك يا أمي.. بكرة هترجعي بيتك، بس المرة دي هتبقي أنتِ صاحبة البيت، وما فيش حد هيقدر يرفع عينه فيكِ أو يقولك كلي في المطبخ.

أمي حطت إيدها على راسي وبدأت تطبطب عليا، ودموعها نزلت على شعري:

— يا ابني أنا مش عايزة بيوت ولا عايزة سفرة مليانة أكل.. أنا كنت عايزاكم جمبي إيد واحدة. سامح أخوك يا سيد.. طايش ونادية ضاحكة عليه، بلاش تخليه يترجم في الشوارع.

رفعت راسي وبصيت في عينها:

— أمي.. سامح ما كانش طايش، سامح كان شايف وساكت، وكان بياخد فلوس دواكي يصرفها على فسحه. لو سامحتيه بكرة هيعمل فيكِ أكتر من كده. سامح محتاج يتربى من جديد، محتاج يعرف إن القرش بيجي بالشقا مش بالنصب على أمه وأخوه.

سكتت أمي وما ردتش، بس كانت بتتنهد بوجع.

تاني يوم الصبح، الساعة كانت عشرة. أخدت أمي في العربية ورجعنا على المنطقة. الشارع كان زحمة، وناس كتير من أهالي المنطقة كانوا واقفين قدام البيت بيتهامسوا. الخبر كان انتشر زي النار في الهشيم: «سيد طرد أخوه ومراته بعد ما اكتشف إنهم بيعاملوا أمه زي الخدامة».

أول ما العربية وقفت، لقيت سامح واقف على الباب، جنب كراتين وشنط هدم هدوم متكومة على الرصيف. وشه كان شاحن، وعيونه منافخة من كثر العياط. نادية كانت قاعدة في عربية أبوها ورا، حاطة وشها في الأرض ومش قادرة ترفع عينها في حد من الجيران.

أمي أول ما شافت سامح على الرصيف بالمنظر ده، مسكت في إيدي بقوة:

— سيد.. عشان خاطري بلاش الفضيحة دي قدام الناس.

نزلت من العربية وفتحت الباب لأمي. مسكت إيدها ومشيت بيها بثبات وسط الجيران اللي كانوا يبصوا لأمي باحترام ول سامح باحتقار.

سامح قرب من أمي ورمى نفسه تحت رجليها في الشارع قدام الكل:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *