حماتي
ثاني يوم الصبح، جوم إخوات جرجس الأربعة، بربارة وإخواتها الرجالة، وجايبين معاهم سمسار أراضي من البندر، ومعاهم ورق يتامى عايزين يخلوني أوقع عليه بالعافية عشان يبيعوا البيت والأرض.
دخلوا الصالة بكل جلافتهم. بربارة قالت بصوت عالي وهي بتلوح بإيدها: «يلا يا مريم، لفي كراكيبك وخد ابنك وانزلي بيت أبكي. البيت ده هيتباع النهاردة، وإحنا مش ملزمين بيكي خلاص. كتر خيرنا إننا سيبناكي قاعدة الأسبوعين دول».
طلعت لهم من المطبخ. كنت لابسة أسود
في أسود، بس المرة دي ما كنتش مكسورة ولا عيني في الأرض. كنت واقفة بطولي، وبصيت لهم في عينيهم واحد واحد.
جرجس جوزي كان واقف وراهم، محتار وخايف منهم ومكسور الجناح. بصيت له قلت له: «تعال اقف جنبي يا جرجس… تعالى جنب مراتك».
بربارة ضحكت بسخرية: «مراتك إيه وزفت إيه! بقولك البيت هيتباع، والسمسار أهو جايب العربون!»
مسكت الشنطة المتروسة أوراق، وطلعت منها عقد البيع والشراء المسجل، والحجة الملكية الأصلية، وحطيتهم على الترابيزة الخشب في الصالة.
«البيت ده بيتي… والأرض دي أرضي. وأمكم الله يرحمها بايعة ومفضية ليا أنا ومينا من ثلاث سنين، والأوراق متسجلة في المحكمة والشهر العقاري بأختام الدولة».
السمسار مسك الورق، نظارته نزلت على مناخيره، وبدأ يقرأ بذهول. بعد دقيقتين، بص لإخوات جرجس وقال وهو بيكتم غيظه: «يا جماعة أنتوا جايبيني أشتري إيه؟ الورق ده سليم مية في المية ومسجل نهائي! الست ماريا بايعة كل حاجة للمدام مريم، مالكوش ولا شبر هنا!»
وش بربارة بقى زي الطماطم المسبكة، وإخواتها الرجالة عينيهم اتوسعت من الهول. بربارة زقت السمسار وزعقت كأنها مجنونة: «ورق إيه؟! تزوير! دي ضحكت على أمتي وهي خرفانة! دي سرقت أمنا!
»
رديت عليها بمنتهى الثبات والهدوء، وبصيت في وشها بثقة: «أمي ما خرفتوش يا بربارة. أمكم كانت أوعى منكم كلكم. أنتي لما شقيتي المخمدة إمبارح ورميتي الريش في وشي، كنتي فاكرة إنك بترمولي الزبالة… بس أمك هي اللي سابتلي شقا عمرها، لأنها عرفت مين اللي صانها ومين اللي كان مستني موتها عشان يورثها».
واحد من إخواتها حاول يمد إيده على الورق، جرجس وقف في وشه المرة دي وزقه بعنف، وقال بصوت هز الحيطان: «إياك تمد إيدك! ١٢ سنة وأنتوا راميين أمكم ليا ولمراتي، ولا واحد فيكم جه جاب لها شريط دوا! المترية دي هي اللي شالتها وهو ده عدل ربنا!»