حماتي

​بعد يومين بس من الدفنة، وقبل ما صوان

العزا حتى يتقفل، الغربان نزلوا على البيت. باقي العيال جوم هجوم، مش عشان يترحموا على أمهم، لأ… عشان يفضوا المكان، ويفتشوا في الكراكيب، ويقسموا التراب.
​سمعت أخت جوزي، بربارة، جوه أوضة ماريا، ماسكة أكياس زبالة كبيرة وبترمى فيها حاجتها. دخلت لقيتها بتقول بقرف وهي حاطة إيدها على مناخيرها: «الأوضة ريحتها تطس الخيل! إيه القرف ده؟!» مسكت المخمدة القديمة من على السرير ومسكت مقص كبير في إيدها التانية وقالت: «أنا هقص الوساخة دي أعملها مساحات للأرض، بدل ما تفضل مرمية كده».

​زعقت فيها وأنا بنط عليها وبحاول أشد المخمدة من إيدها: «إياك تلمسيها! دي أثرها اللي فاضل، سيبي حاجة أمك في حالها يا بربارة!»

​اتعافينا على بعض، هي تشد وأنا أشد، وبشدة غل واحدة منها، القماش الدايب اتقطع من الجنب بصلية ناشفة، وريش النعام والأوز الأصفر المكتوم طار في الأوضة زي العاصفة، ملأ المكان وغطى وشوشنا.

​بربارة بصت لي بابتسامة شريرة وضحكت بشماتة: «اشبعي بزبالتك يا مريم! مسحتي ريالتها وقرفها ١٢ سنة، وده ورثك الكبير… مخمدة معفنة ومتقطعة. خدي الريش اكنسيه واعملي بيه شلتة تنفعك!» ورزعت الباب وراها وخرجت تضحك مع إخواتها في الصالة.

​لميت الريش من على الأرض وأنا دموعي نازلة من القهر، خدت

المخمدة المتقطعة وحطيتها تحت باطي وطلعت بيها على المطبخ.
​على نص الليل، والبيت ساكت تماماً بعد ما العيال مشوا، قعدت على الترابيزة الخشب القديمة في المطبخ. النور كان ضعيف وبيعدش. بصيت للمخمدة المتقطعة. كلام ماريا قبل ما تموت بثواني كان بيرن في ودني زي الأجراس: «عشانك يا مريم… ليكِ أنتي بس. جوه».

​حطيت إيدي جوه الفتحة المتقطعة. بدأت أفتش وسط الريش الصغير والناعم. صوابعي كانت بتغوص، لحد ما عدت طبقة الريش الأساسية، ولمست حاجة غريبة… البطانة الداخلية للمخمدة مكانتش قماش عادي، كان فيه جيب مفصل بطريقة يدوية متقنة ومتخيط بخيط غزل ثقيل جوه الحشو.

​حسيت بحاجة ناشفة، تقيلة، وتلج.

​صوابعي مسكت طرف الجيب ده، وشديت. طلعت لفافة كبيرة، ملفوفة بـ ١٥ أو ٢٠ طبقة من البلاستيك الأسود ومربوطة بشريط لحام عريض جداً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *