اختي حكايات احمد عمار

لها.
يمكن لسه مش متعودة.
أما أبويا، فكان بيقول
كل شغل فيه ضغط. المهم تتعلمي تتعاملي معاه.
بعد شهر ونص، نانسي بدأت تتغيب عن بعض الاجتماعات، وتتأخر في تسليم المهام.
مديرتها بعتت لها تنبيهًا رسميًا.
بدل ما تصلح الوضع، اعتبرت التنبيه إهانة.
وفي يوم، دخلت البيت ورمت شنطتها.
أنا مش راجعة الشغل ده تاني.
أمي اټصدمت.
ليه يا بنتي؟
قالت
المديرة بتعاملني بطريقة سيئة، وكل شوية تبعت لي إيميلات كأنني طفلة.
أبويا سألها
إنتِ اتأخرتي في التسليم؟
ردت بعصبية
مش ده الموضوع!
قال
يبقى لازم نفهم الموضوع كله.
نانسي رفعت صوتها.
إنتوا عمركم ما هتصدقوني!
دخلت أوضتها.
بعد يومين، اتضح إنها استقالت من غير ما يكون عندها بديل.
أمي كانت حزينة، وأبويا حاول يكلمها بهدوء.
أما أنا، فكنت بشتغل من البيت يومها، وسمعت نانسي بتتكلم في الموبايل.
قالت لصاحبتها
أنا مش هقبل حد يقلل مني. أنا أستحق شغلًا أحسن من كده.
وقفت عند الباب، وقلت
ممكن أسألك سؤالًا؟
لفت ناحيتي.
إيه؟
قلت
إنتِ عايزة شغلًا أحسن، ولا عايزة شغلًا من غير ما حد يراجعك أو يحاسبك؟
وشها احمر.
إنتِ مالك؟
قلت
لأنك كل مرة بتسيبي شغل، بتقولي إن الناس كلها غلط، ومش بتسألي نفسك إذا كان فيه حاجة ممكن تتغير.
صړخت
إنتِ شايفة نفسك عليا عشان شغالة في شركة كبيرة!
قلت بهدوء
لأ. أنا بس بقول لك إنك لو عايزة نتيجة مختلفة، لازم تجربي طريقة مختلفة.
ردت
مش محتاجة نصايحك.
ومشيت.
ما لحقتش بيها.
كنت بدأت أفهم إن مساعدتي ليها مش هتكون مفيدة لو هي مش مستعدة تسمع.
الفصل الثاني عشر السر اللي ما كانش في العقد
بعد ثلاثة أشهر، دعاني دانيال عزيز لاجتماع مع فريق البرنامج.
قال لنا إن الشركة بتدرس توسيع مشروع جديد متعلق بمراقبة سلامة البيانات في المؤسسات الكبيرة.
المشروع كان معقدًا، وبيحتاج فريقًا يقدر يجمع بين هندسة الأنظمة وتحليل المخاطر.
أندرو رشحني للمشاركة في جزء من الاختبارات.
كنت متوترة.
قلت له
أنا لسه جديدة في الشركة.
رد
وده مش معناه إنك مش جاهزة تتعلمي. إنتِ مش هتتحملي المسؤولية لوحدك. هتشتغلي مع الفريق.
بدأنا نراجع تصميم النظام، ونحدد نقاط الضعف المحتملة، ونبني اختبارات لمحاكاة الضغط والأعطال.
بعد أسابيع، اكتشفنا مشكلة في طريقة تعامل النظام مع مجموعة معينة من البيانات.
المشكلة ما كانتش ظاهرة في الظروف العادية، لكنها كانت ممكن تسبب تأخيرًا كبيرًا عند زيادة الضغط.
قدمت اقتراحًا لتعديل آلية المراقبة، بحيث نقدر نكتشف المؤشرات المبكرة قبل ما يتفاقم العطل.
الفريق ناقش الاقتراح، وطلب مني أجهز نموذجًا تجريبيًا.
اشتغلت عليه مع بيتر وريمون لمدة أسبوعين.
في الاختبار الأول، فشل النموذج.
وفي الاختبار الثاني، ظهرت مشكلة مختلفة.
كنت محبطة، لكن أندرو قال
الفشل في بيئة الاختبار أحسن من نجاح مزيف في النظام الحقيقي. راجعي النتائج.
رجعت أراجع الكود من البداية.
اكتشفت إن المشكلة كانت في افتراض بنيت عليه جزءًا من التصميم.
عدلت النموذج، وكررت الاختبارات.
المرة دي، النتائج كانت أفضل بوضوح.
في الاجتماع التالي، عرضت النتائج أمام الفريق.
دانيال كان حاضرًا.
بعد العرض، قال
ده شغل كويس يا ماريان. لكن قبل ما نعتمد أي تعديل، لازم نختبره في ظروف مختلفة.
قلت
متفقة. أنا جهزت مجموعة اختبارات إضافية، وهحتاج دعم الفريق لتنفيذها.
ابتسم.
كملي.
على مدار الشهر التالي، شاركت في مراجعة فنية موسعة.
ما كنتش صاحبة القرار النهائي، لكن مساهمتي كانت واضحة، واسمّي اتسجل ضمن الفريق اللي طور النموذج التجريبي.
وفي نهاية المرحلة، اتبلغنا إن الشركة هتخصص موارد إضافية لتطوير المشروع.
بالنسبة لي، ده كان أهم من أي تكريم.
لأنني بدأت أحس إنني مش مجرد خريجة محظوظة.
أنا بقيت مهندسة بتتعلم، وبتضيف حاجة حقيقية للفريق.
في نفس الفترة، اتصل بي دانيال.
قال
ماريان، الإدارة وافقت على توسيع مسؤولياتك تدريجيًا في المرحلة الجاية، بشرط استمرار التقييم الفني.
سألته
يعني إيه بالضبط؟
شرح لي إنني هشارك في اجتماعات تصميم إضافية، وهتكون عندي مسؤولية أكبر في توثيق الاختبارات ومراجعة بعض القرارات الفنية تحت إشراف أندرو.
ما كانش منصبًا خياليًا ولا ترقية سحرية.
كان تطورًا مهنيًا طبيعيًا، مبنيًا على شغل واضح.
لكن دانيال أضاف تفصيلة تانية.
فيه حاجة كمان. الجامعة عايزة تنشر قصة عن الخريجين اللي شاركوا في البرنامج، وإنتِ من الأسماء المقترحة.
قلت
أنا مش متأكدة إني عايزة أتكلم عن حياتي الشخصية.
رد
مش مطلوب منك تحكي أي تفاصيل خاصة. ممكن نخلي الموضوع عن المشروع، والتجربة المهنية، وإزاي انتقلتي من الدراسة للعمل.
وافقت.
بعد أيام، نشرت الجامعة خبرًا عن البرنامج، وذكرت اسمي ضمن المشاركين.
الخبر انتشر بين زملائي، وبعض أقاربنا بعتوا لي رسائل تهنئة.
ونانسي شافت الخبر.
في نفس الليلة، دخلت أوضتي من غير ما تخبط.
قالت
إنتِ لسه هتفضلي تتكلمي عن نفسك في كل مكان؟
قفلت اللابتوب.
أنا ما نشرتش حاجة عن نفسي. الجامعة هي اللي نشرت الخبر.
قالت
طبعًا. إنتِ دايمًا بريئة.
قلت
نانسي، أنا مش فاهمة إنتِ عايزة مني إيه.
قربت خطوة.
عايزة الناس تبطل تبص لي كأنني أقل منك.
رديت
أنا ما قلتش إنك أقل مني.
قالت
بس ده اللي حصل! من يوم ما اتقبلتي في الشركة، بقيتي محور اهتمام العيلة كلها.
سكت لحظة، وبعدها قلت
لو الناس بتسأل عن شغلي، ده مش معناه إنهم بيقللوا منك. إنتِ تقدري تبني لنفسك حاجة، من غير ما تحتاجي تهدي اللي بنيته أنا.
بصت لي پغضب.
إنتِ مش هتفهمي أبدًا.
وخرجت.
فضلت قاعدة مكاني، وفكرت في كلامها.
لأول مرة، فهمت إن جزءًا من ڠضب نانسي مش مرتبط بيا وحدي.
هي كانت پتكره إحساسها بالفشل، لكنها بدل ما تواجهه، كانت بتحاول تخلي نجاحي يختفي.
وكنت عارفة إنني مش هقدر أغيّرها.
لكنني كنت أقدر أوقفها عند حدها.
الفصل الثالث عشر المحاولة الأخيرة
بعد حوالي ستة أشهر من بداية شغلي، نانسي طلبت مني نتكلم.
قعدنا في الصالة، وأمي كانت في المطبخ، وأبويا لسه ما رجعش من الشغل.
نانسي بدأت الكلام بصوت هادي على غير عادتها.
ماريان، أنا عايزة أطلب منك حاجة.
قلت
اتفضلي.
قالت
أنا بفكر أرجع أشتغل في التسويق، بس محتاجة حد يساعدني أرتب سيرتي الذاتية.
قلت
ماشي. ابعتي لي خبراتك ومهاراتك، وأنا أساعدك في تنظيمها.
بصت لي باستغراب.
يعني مش هتزعلي؟
قلت
أزعل من إيه؟
قالت
من إني أطلب مساعدتك.
هزيت رأسي.
أنا ما عنديش مشكلة أساعدك، طول ما إنتِ عايزة تتعلمي فعلًا.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لأول مرة من شهور، حسيت إن فيه فرصة إن علاقتنا تتحسن.
قعدنا ساعة نراجع سيرتها الذاتية.
اكتشفنا إن عندها خبرة كويسة في إعداد الحملات الإعلانية، وكتابة المحتوى، والتعامل مع العملاء.
لكنها كانت بتكتب خبراتها بطريقة مبالغ فيها، وكأنها مسؤولة عن كل نجاح حصل في الشركات اللي اشتغلت فيها.
قلت لها
الأفضل نكتب اللي عملتيه فعلًا. لو بالغنا، ممكن يتسألك عنه في المقابلة.
ردت
كل الناس بتعمل كده.
قلت
مش معنى إن ناس بتعمله إنه صح.
تنهدت، لكنها وافقت تعدل السيرة الذاتية.
بعدها بأسبوع، ساعدتها تقدم على وظيفتين.
اتقبلت لمقابلة في واحدة منهم.
كنت سعيدة لها، وقلت لأمي
يمكن المرة دي تكون بداية كويسة.
أمي ابتسمت.
يا رب.
لكن قبل المقابلة بيومين، حصلت مشكلة.
نانسي طلبت مني أكتب لها رسالة توصية باسم الشركة اللي بشتغل فيها، بحجة إن وجود اسم ميريديان هيقوي موقفها.
قلت لها
ما ينفعش أكتب توصية باسم الشركة عن خبرتك في التسويق، لأنني مش مسؤولة عن شغلك، والشركة أصلًا ما اشتغلتش معاكي.
قالت
طب اكتبي رسالة شخصية، مش لازم تكون رسمية.
قلت
ممكن أكتب إنك أختي وإنك مهتمة بالمجال، لكن مش هقول إني أشهد على خبرة ما شفتهاش.
وشها اتغير.
يعني مش هتساعديني؟
قلت
أنا ساعدتك في السيرة الذاتية، وساعدتك في التقديم. لكن مش هكتب حاجة مش حقيقية.
قامت من مكانها.
كنت عارفة إنك هتعملي كده!
قلت
هعمل إيه؟
قالت
هتفضلي واقفة في طريقي.
بصيت لها بذهول.
أنا واقفة في طريقك؟ أنا اللي قعدت معاكي ساعات أراجع سيرتك الذاتية!
صړخت
عشان تفضلي حاسة إنك أحسن مني!
أمي خرجت من المطبخ.
فيه إيه؟
نانسي ردت بسرعة
اسألي بنتك! مش عايزة تساعدني.
أمي بصت لي.
ماريان، ما كانش ممكن تكتبي لها الرسالة وخلاص؟
وقفت مكاني.
الجملة دي كانت آخر حاجة محتاجاها.
قلت
يا ماما، أنا ساعدتها في كل حاجة أقدر عليها. لكن مش هكتب توصية كاذبة عشان ترضيها.
أمي اتضايقت.
إنتِ ليه مصممة تعقدي الأمور؟
بصيت لها، ولأول مرة ما حاولتش أخفف كلامي.
لأن فيه فرق بين المساعدة، وبين إني أتحمل مسؤولية اختياراتها.
نانسي دخلت أوضتها وهي بټعيط.
وأمي بصت لي كأنني أنا اللي ظلمتها.
لكن المرة دي، ما اعتذرتش.
الفصل الرابع عشر الكذبة الكبيرة
بعد أسبوع، اتصل بي رقم غريب.
رديت، وسمعت صوت رجل بيقول
مساء الخير، هل أنا بتكلم مع المهندسة ماريان فؤاد من شركة ميريديان؟
قلت
أيوه، مين معايا؟
قال إنه مسؤول توظيف في شركة تانية، وإنهم بيدرسوا طلب توظيف قدمته نانسي فؤاد.
اتوترت.
سألني
هل أنتِ اللي كتبتي خطاب التوصية المرفق بطلبها؟
قلت
أي خطاب توصية؟
شرح لي إن نانسي أرفقت خطابًا يحمل اسمي، وفيه ادعاء بأنني أشهد بخبرتها في إدارة المشروعات والتسويق الرقمي.
قلبي دق بسرعة.
قلت
أنا ما كتبتش الخطاب ده.
سكت الرجل لحظة.
هل ممكن تكوني كتبتيه من بريد شخصي؟
قلت بوضوح
لأ. أنا ما كتبتش أي توصية مهنية لنانسي، وما سمحتش لها تستخدم اسمي أو اسم الشركة.
قال إنه بيتصل فقط للتأكد من صحة المستند، وإنه هيحيل الأمر لفريق التوظيف.
شكرته وقفلت.
فضلت قاعدة مكاني وأنا بحاول أستوعب.
بعدها فتحت الرسالة اللي بعتهالي، ولقيت نسخة من الخطاب مرفقة.
كان فيه اسمي كاملًا، ومسمّاي الوظيفي في ميريديان، وتوقيع إلكتروني مزيف، وشعار الشركة.
الخطاب كان بيقول إن نانسي اشتغلت على مشروعات تسويق معقدة، وإنني تابعت شغلها بشكل مباشر، وإنها من أفضل الأشخاص اللي تعاملت معاهم.
كل كلمة كانت كذبًا.
ما كنتش عارفة نانسي عملت المستند ده إزاي، لكنني كنت متأكدة إن الموضوع ما ينفعش يتساب.
اتصلت بأندرو، وطلبت منه نصيحة بخصوص الإجراء الصحيح.
قال
ما تتواصليش مع الشركة اللي قدمت لها الخطاب بطريقة انفعالية، وما تحاوليش تعالجي الموضوع بنفسك. احتفظي بالمستندات، وبلغي قسم الموارد البشرية عندنا لأن اسم الشركة اتستخدم من غير إذن.
عملت بنصيحته.
بعتت رسالة رسمية للموارد البشرية، ووضحت إن الخطاب مش صادر عني، وإنني ما سمحتش باستخدام اسمي أو توقيعي.
احتفظت بنسخة من كل المراسلات.
بعدها اتصلت بأبويا وطلبت منه يرجع البيت بدري، لأن فيه موضوع لازم نتكلم فيه.
لما رجع، حطيت الموبايل قدامه وورّيته الخطاب.
قرأه مرة.
وبعدين رجع قرأه تاني.
دي نانسي اللي عملت كده؟
قلت
مش هقدر أقول إني شفتها وهي بتعمله، لكن الشركة أكدت لي إن الخطاب اتقدم باسمها.
أبويا حط الموبايل على الترابيزة، وفضل ساكت.
بعد شوية قال
لازم نواجهها.
لما نانسي خرجت من أوضتها، أبويا سألها مباشرة
إنتِ قدمتي خطاب التوصية ده؟
بصت للموبايل، وشها اتغير.
قالت
أنا… ده مجرد خطاب.
أبويا رد
الخطاب ده فيه اسم أختك وتوقيعها واسم شركتها. إنتِ كتبتيه؟
نانسي سكتت.
كرر السؤال.
نانسي، أنا بسألك!
صړخت
أيوه! كتبته! كنت محتاجة فرصة، ومحدش راضي يساعدني!
أبويا اټصدم.
يعني إنتِ عارفة إن الخطاب كڈب؟
ردت
أنا كنت هقدر أعمل الشغل!
قلت لها
يمكن. لكنك ما كنتيش محتاجة تكذبي باسمي عشان تثبتي إنك تقدري.
لفت ناحيتي.
إنتِ السبب! لو كنتِ وافقتِ تكتبي لي توصية، ما كنتش اضطرّيت أعمل كده.
قلت
أنا رفضت أكتب توصية كاذبة. ما أجبرتكش تزوّري توقيعي.
أمي كانت واقفة عند باب المطبخ، ووشها شاحب.
قالت
نانسي، إنتِ وصلتي نفسك لإيه؟
نانسي بصت لها بدموع.
حتى إنتِ؟
أمي ردت
أنا كنت دايمًا بدافع عنك، لكن ما كنتش أعرف إنك هتستخدمي اسم أختك بالطريقة دي.
نانسي قعدت على الكنبة، وغطت وشها بإيديها.
فضلت ټعيط، وتقول إنها كانت محبطة، وإنها حست إن حياتها واقفة، وإن كل الناس بقت تقارن بينها وبيني.
لأول مرة، ما حاولتش أجادلها.
كنت شايفة قدامي إنسانة عملت غلطة كبيرة، لكنني ما كنتش مستعدة أتحمل نتيجتها

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *