اختي حكايات احمد عمار

قطّعت جواب تعييني قدام عيلتي وما كانتش تعرف إن مدير الشركة جاي بنفسه يعلن عن أكبر مفاجأة في حياتي!
خلاص يا شاطرة، مستقبلك انتهى قبل ما يبدأ! أهلًا بيكي في طابور البطالة!
دي كانت الجملة اللي قالتها أختي نانسي، وهي بتمزّق جواب تعييني حتت صغيرة قدام مئات الناس في حفل تخرجي، وبعدها رمت القصاصات على الأرض وداسَت عليها بكعب جزمتها.
لكن اللي وجعني أكتر من تصرفها، إن أمي نفسها كانت ماسكاني من دراعاتي، وبتمنعني أوصل لها، وبتترجاني أسكت عشان ما نعملش ڤضيحة قدام الناس.
أما نانسي، فكانت بتضحك.
كانت فاكرة إنها أخيرًا قدرت تسلبني الحاجة الوحيدة اللي فضلت أحارب ست سنين كاملة عشان أوصل لها.
بس اللي ما كانتش تعرفه، إن جواب التعيين اللي قطّعته ما كانش هو مستقبلي أصلًا.
وإن الراجل اللي كان داخل القاعة في اللحظة دي، كان شايل في إيده قرارًا هيغيّر حياتي، وهيخلّيها ټندم على كل كلمة قالتها لي.
لكن خلوني أحكيلكم الحكاية من أولها.
الفصل الأول البنت اللي كان لازم تفضل أقل من أختها
اسمي ماريان فؤاد، عندي أربعة وعشرين سنة، ومتخرجة من كلية هندسة الحاسبات.
طول عمري كنت البنت الهادية اللي بتحاول ترضي كل اللي حواليها.
مش عشان أنا ضعيفة، لكن لأنني اتربيت في بيت كان فيه السلام العائلي أهم من العدل، وراحة أختي أهم من مشاعري، وأي نجاح أحققه لازم يتقدم باعتذار غير مباشر عشان ما يضايقهاش.
أختي نانسي أكبر مني بسنتين.
من وإحنا صغيرين، كانت نانسي البنت المدللة.
لو جابت درجات وحشة، يبقى المدرسة ظالماها.
لو اتخانقت مع صاحبتها، تبقى صاحبتها غيرانة منها.
لو دخلت شغل وخرجت منه بعد شهرين، يبقى المدير ما عرفش يقدّر موهبتها.
أما أنا، فكنت لازم أتحمل نتيجة كل غلطة أعملها، حتى لو كانت غلطة بسيطة.
لما كنت في الثانوية العامة، كنت بذاكر بالساعات عشان أدخل كلية هندسة.
نانسي وقتها كانت في الجامعة، وبتدرس تسويق وإدارة أعمال، لكنها ما كانتش بتحب المذاكرة.
كنت أصحى قبل المدرسة، أراجع دروسي، وأرجع البيت أساعد أمي في شغل البيت، وبعدها أقعد أذاكر لحد الفجر.
وفي الوقت نفسه، كانت نانسي بتخرج مع أصحابها، وتطلب فلوس زيادة، وتقول إنها محتاجة تعيش سنها.
أبويا فؤاد كان موظف حسابات في شركة أدوية، وراجل طيب، لكنه للأسف كان بيتجنب المواجهات.
وأمي سوزان كانت شايفة إن البنت اللي بتعرف تسكت وتتنازل هي البنت الشاطرة.
في ليلة من الليالي، كنت قاعدة على السفرة بحل امتحان رياضيات، ونانسي دخلت البيت الساعة واحدة بعد منتصف الليل.
أمي خرجت من أوضتها بسرعة.
نانسي! إنتِ كنتِ فين لحد دلوقتي؟ أنا قلقت عليكي!
نانسي رمت شنطتها على الكنبة وقالت
كنت مع صحابي يا ماما. هو أنا لازم أقدم تقرير كل ساعة؟
أمي اتنهدت، وبعدها راحت جابت لها أكل.
أما أنا، فرفعت عيني من الورق وقلت بهدوء
نانسي، ممكن توطي صوتك شوية؟ عندي امتحان بكرة.
بصتلي باستهزاء.
يا سلام! المهندسة المستقبلية مش عارفة تذاكر غير في الهدوء الملكي!
ضحكت، وقلت لها
أنا فعلًا عندي امتحان.
قربت من الترابيزة، وخطفت الورقة من قدامي.
طب وريني كده بتذاكري إيه طول الليل؟
حاولت آخد الورقة منها، لكنها رفعتها بعيد عن إيدي.
سيبيها يا نانسي، بالله عليكي.
أمي تدخلت فورًا، لكن بدل ما تطلب من نانسي ترجع الورقة، بصت لي وقالت
خلاص يا ماريان، اقفلي الكتب وارتاحي شوية. مش لازم تعملي مشكلة على كل حاجة.
افتكرت يومها إن الموضوع بسيط.
ورقة امتحان، وخناقة عابرة بين أختين.
ما كنتش أعرف إن الجملة دي هتتكرر في حياتي مئات المرات، وإن كل مرة هتسيب جوايا شرخًا جديدًا.
بعد سنة، ظهرت نتيجة الثانوية العامة.
جبت مجموعًا دخلني كلية هندسة الحاسبات، وكنت من أوائل مدرستي.
أبويا حضڼي وهو بيقول
برافو يا بنتي! رفعتِ راسنا.
كنت فرحانة لدرجة إني عيطت.
لكن نانسي كانت قاعدة على الكنبة، بتقلب في موبايلها.
قالت من غير ما ترفع عينيها
يعني هتفضلي ست سنين في الكلية، وفي الآخر تشتغلي زي أي حد؟
أبويا بص لها بضيق.
نانسي، عيبي! أختك تعبت وربنا كرمها.
ردت وهي بتقوم
أنا بس بقول الحقيقة.
ومشيت.
أمي قربت مني وربتت على كتفي.
ما تزعليش منها يا ماريان. إنتِ عارفة إنها بتتضايق لما تحس إن حد سبقها.
وقتها سألتها سؤالًا بسيطًا.
طب وأنا ذنبي إيه يا ماما؟
ما ردتش.
وده كان أول درس حقيقي اتعلمته في بيتنا.
إنك ممكن تعملي كل حاجة صح، وبرضه تلاقي نفسك مطالبة تعتذري لأن نجاحك ۏجع شخصًا تانيًا.
الفصل الثاني ست سنين من غير رفاهية
دخلت كلية هندسة الحاسبات، وكنت عارفة إن الطريق مش هيكون سهل.
المصاريف كانت كبيرة، والكتب والأجهزة والتدريبات محتاجة فلوس، وأبويا ما كانش يقدر يشيل كل حاجة لوحده.
في السنة التانية، بدأت أشتغل في مركز خدمة عملاء صغير.
كنت بروح المحاضرات الصبح، وبعدها أركب مواصلتين عشان أوصل للشغل، وأرجع البيت متأخرة.
أوقات كنت بوصل الساعة عشرة بالليل، أكل أي حاجة بسرعة، وأفتح اللابتوب عشان أراجع اللي فاتني.
كان فيه أيام أنام وأنا قاعدة قدام الشاشة، وأصحى ألاقي اللابتوب لسه مفتوح والكود اللي كنت بكتبه ناقص سطر.
ومع ذلك، كنت مكملة.
ما كانش عندي استعداد أستسلم.
في السنة التالتة، بدأت أتعلم البرمجة المتقدمة وهندسة الأنظمة، واشتغلت على مشروع جامعي لمساعدة المستشفيات الصغيرة في تنظيم بيانات المرضى ومواعيدهم.
الفكرة كانت بسيطة في البداية، لكن كل ما اشتغلت عليها، اكتشفت إن المشكلة أكبر مما تخيلت.
بعض المستشفيات كانت بتستخدم أنظمة قديمة، وبعضها كان بيعتمد على إدخال البيانات يدويًا، وأي خطأ صغير كان ممكن يعطل شغل قسم كامل.
بدأت أدرس إزاي أبني نظامًا يكتشف الأخطاء، ويربط البيانات ببعضها، ويقلل فرص ضياع المعلومات.
كنت بقضي ساعات في المعمل، وأحيانًا أرجع البيت وأكمل شغل من غير ما أحس بالوقت.
في يوم، دخلت أمي أوضتي ولقتني قاعدة قدام الكمبيوتر الساعة اتنين بالليل.
قالت بقلق
إنتِ لسه صاحية؟ جسمك مش حديد يا بنتي.
قلت وأنا عيني على الشاشة
عندي تسليم بكرة يا ماما.
بصت للساعة، وبعدها قالت
طب ما تأجليه؟ صحتك أهم.
ابتسمت.
لو كل مرة أجلت عشان تعبت، مش هخلص حاجة.
وقفت لحظة، وبعدين قالت
بالمناسبة، نانسي عايزة تشتري موبايل جديد، وأبوكي قال إن الميزانية مش هتسمح الشهر ده. إنتِ معاكي فلوس؟
رفعت عيني لها.
كنت لسه قابضة مرتبي، وكنت محتاجة أشتري قطعة جديدة للكمبيوتر عشان المشروع.
قلت
معايا، بس محتاجاها في حاجة للكلية.
اتغير وشها.
يعني مش هتساعدي أختك؟
أنا ما قلتش إني مش هساعدها. بس الفلوس دي محوشاها من شهور.
تنهدت وقالت
خلاص يا ماريان، براحتك. بس افتكري إن العيلة المفروض تسند بعض.
خرجت من الأوضة، وسابتني أبص للشاشة وأنا حاسة بالذنب.
بعد يومين، اكتشفت إن أمي ادّت نانسي فلوس كانت محوشاها لتصليح الغسالة، وإن أبويا اضطر يأجل التصليح شهرًا تانيًا.
نانسي اشترت الموبايل.
ولما سألتها إذا كانت مبسوطة، ردت
طبعًا. هو الواحد يعيش ليه لو مش هيجيب لنفسه حاجة حلوة؟
ما قلتلهاش إنني كنت بحلم أشتري لنفسي لابتوب جديد من سنين.
كنت لسه بستخدم جهازًا قديمًا، بطاريته بتفصل بسرعة، ومروحته بتعمل صوتًا مزعجًا كل ما أشغل برنامجًا تقيلًا.
لكنني كنت عارفة إن كل جنيه بوفّره ممكن يخليني أعدّي السنة من غير ما أضطر أستلف.
في السنة الرابعة، حصلت مشكلة أكبر.
مركز خدمة العملاء اللي كنت بشتغل فيه قلل عدد الموظفين، واتقال لي إن عقدي مش هيتجدد.
وقفت قدام مديرتي وأنا بحاول أستوعب الخبر.
قلت لها
بس أنا ملتزمة بكل الشيفتات، وما عنديش غياب.
ردت بأسف
أنا عارفة يا ماريان، لكن القرار من الإدارة. مفيش ميزانية كفاية.
خرجت من المكتب وأنا حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
كنت محتاجة المرتب عشان أدفع جزءًا من مصاريف الدراسة.
في نفس الليلة، حكيت لأبويا.
قال لي
ما تقلقيش يا بنتي. هنشوف حل.
لكن نانسي ضحكت من الكنبة.
أهو ده اللي كنت بقوله. الواحد يتعلم حاجة ليها مستقبل، مش يقعد طول عمره ورا الكمبيوتر.
بصيت لها، لكنني ما رديتش.
لأول مرة، قررت إني مش هضيّع طاقتي في محاولة إثبات حاجة لشخص مصمم ما يشوفش غير اللي يعجبه.
بدأت أقدم على تدريبات مدفوعة، وأبعت سيرتي الذاتية لشركات صغيرة.
اترفضت مرات كتير.
مرة قالوا إن خبرتي قليلة.
ومرة قالوا إنهم اختاروا حد عنده مهارات أقوى.
ومرة ما جاليش رد أصلًا.
لكن في آخر السنة، اتقبلت في تدريب صيفي بشركة برمجيات متوسطة.
كنت بشتغل هناك أربع أيام في الأسبوع، وبدرس في الأيام الباقية.
المهندس المسؤول عن تدريبي، اسمه بيتر حنا، لاحظ إني بقعد بعد مواعيد الشغل عشان أفهم المشكلة بدل ما أكتفي بحلها مؤقتًا.
في يوم، وقف ورايا وقال
ماريان، إنتِ عارفة إنك مش مطالبة تفضلي بعد ميعادك؟
قلت
عارفة يا باشمهندس، بس المشكلة دي لو اتحلت غلط هترجع تاني.
قرب من الشاشة، وفضل يتابع الكود.
بعد عشر دقايق، قال
إنتِ فكرتِ في السبب من الناحية دي؟
شرح لي نقطة ما كنتش واخدة بالي منها.
رجعت أراجع النظام، واكتشفت إن الحل اللي كنت بشتغل عليه فعلًا كان هيعالج النتيجة مش السبب.
قضيت باقي اليوم أعدل التصميم.
تاني يوم، النظام اشتغل بكفاءة أعلى.
بيتر ابتسم وقال
إنتِ عندك حاجة مهمة يا ماريان.
سألته
إيه هي؟
قال
إنك ما بتصدقيش أول إجابة سهلة. ودي صفة نادرة في المجال ده.
الجملة دي فضلت معايا سنين.
مش لأنها مجاملة، لكن لأنها كانت أول مرة حد يقيّمني على طريقة تفكيري، مش على قد إيه أنا مستعدة أتنازل عشان أرضي الناس.
الفصل الثالث نجاح ممنوع الاحتفال بيه
في السنة الخامسة، أعلنت الكلية عن مسابقة لمشروعات هندسة الأنظمة.
المشروع الفائز هيحصل على منحة مالية، وفرصة لعرضه قدام مجموعة من شركات التكنولوجيا.
قررت أشارك بالنظام اللي كنت بطوره لتنظيم البيانات واكتشاف الأخطاء في أنظمة المستشفيات.
قعدت شهرين أراجع التصميم، وأختبر النظام، وأكتب التقرير الفني.
كنت بنام أربع ساعات في اليوم، وأحيانًا أقل.
أبويا كان بيحط لي كوب شاي جنب الكمبيوتر ويقول
خدي بالك من نفسك يا ماريان.
وأنا أقول له
حاضر يا بابا، أول ما أخلص الجزء ده.
في يوم المسابقة، كنت متوترة جدًا.
قدمت المشروع قدام لجنة من الأساتذة والمهندسين، وجاوبت على الأسئلة، وشرحت إزاي النظام يقدر يكتشف التعارضات في البيانات قبل ما تتحول لمشكلة فعلية.
بعد أسبوع، أعلنت النتيجة.
فزت بالمركز الأول.
فضلت باصة للاسم على الشاشة، وأنا مش مصدقة.
اتصلت بأبويا.
أول ما رد، قلت
بابا، أنا كسبت!
صړخ من الفرحة.
مبروك يا بنتي! كنت عارف إنك هتعمليها!
رجعت البيت بالدرع وشهادة التقدير، وكنت متخيلة إننا هنحتفل كلنا.
أبويا حضڼي، وأمي باركتلي، لكن نانسي كانت قاعدة على الكنبة وبتقلب في صور صاحباتها.
قالت
هو فيه إيه؟ جايبة جايزة نوبل؟
أبويا رد بحدة
نانسي، كفاية! دي جايزة محترمة، وأختك تعبت عشانها.
نانسي قامت وهي بتضحك.
خلاص، مبروك يا ستي. مش عارفة إنتوا مكبرين الموضوع ليه.
ودخلت أوضتها.
كنت أحاول أتمالك نفسي، لكنني حسيت إن فرحتي بتتسحب مني ببطء.
أمي أخدت الدرع من إيدي وقالت
طب إيه رأيك نحطه في أوضتك؟ عشان الصالة ما تبقاش زحمة.
بصيت لها.
هو زحمة يا ماما؟
ردت بسرعة
مش قصدي كده. بس نانسي الفترة دي نفسيتها تعبانة، وإنتِ عارفة ظروفها.
كانت نانسي وقتها بتشتغل في شركة تسويق، لكنها اتخانقت مع مديرها مرتين بسبب التأخير، وكانت بتشتكي كل يوم من زملائها.
قلت لأمي
أنا مش هعلّق الدرع فوق سريرها. هحطه هنا.
ابتسمت

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *