اختي حكايات احمد عمار
خاېفة عليها؟
قلت بحدة
آه، رجعيها.
في اللحظة دي، مزقت الورقة من النص.
سمعت صوت التمزيق، وبصيت لها وأنا مش مستوعبة.
قلت
إنتِ بتعملي إيه؟!
مزقت الجزء التاني، وبعده الجزء التالت.
حاولت أمسك إيدها، لكن أمي جريت ناحيتي ومسكتني من دراعاتي.
ماريان! اهدي!
صړخت
سيبيني يا ماما!
نانسي كانت بتكمل ټمزيق الورقة.
خلاص يا شاطرة، مستقبلك انتهى قبل ما يبدأ! أهلًا بيكي في طابور البطالة!
الناس بدأت تبص لنا.
واحد من زمايلي وقف مكانه، وواحدة من الدكاترة حطت إيدها على بقها.
أبويا قرب بسرعة.
نانسي! إنتِ اټجننتي؟!
قالت بكل برود
كان لازم حد ينزلها من على الأرض شوية. فاكرة نفسها بقت أحسن مننا كلنا عشان معاها شهادة وشغلانة بمرتب كبير!
أمي ضغطت على دراعاتي وهمست
اهدي يا بنتي. ما تعمليش ڤضيحة.
بصيت لها پصدمة.
هي اللي قطّعت جواب تعييني!
ردت
وطي صوتك. الناس كلها بتتفرج علينا.
في اللحظة دي، حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت.
مش بسبب الورقة.
لكن لأن أمي كانت شايفة إن الحفاظ على شكل العيلة أهم من الاعتراف إن اللي حصل غلط.
نانسي رمت القصاصات على الأرض وداسَت عليها.
يلا بقى، ورينا هتشتغلي إزاي من غير جواب التعيين ده!
بصيت لها بهدوء.
كنت ممكن أصرخ.
كنت ممكن أقول لها كلامًا يوجعها.
لكنني قررت ما أديهاش المشهد اللي كانت مستنياه.
سألتها
إنتِ فعلًا فاكرة إن ټمزيق نسخة مطبوعة من جواب التعيين ممكن يلغي عقد الشغل؟
ابتسامتها اهتزت للحظة.
إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
قلت
العقد الحقيقي موقّع إلكترونيًا من يومين. والورقة دي نسخة الجامعة طلبتها لحفل التخرج.
وشها اتغير.
لكنها حاولت تخبي ارتباكها.
حتى لو! يمكن الشركة تغير رأيها.
ما رديتش.
انحنيت، وخدت قطعة صغيرة من الورق عليها جزء من شعار الشركة، وحطيتها في جيبي.
ضحكت نانسي.
هتحتفظي بيها ذكرى لمستقبلك اللي ضاع؟
قلت
لأ. عايزة أفتكر اللحظة دي بس.
في الناحية التانية من القاعة، موظف من الجامعة لمس السماعة اللي في ودنه، وبعدها رفع عينيه وبص ناحيتي.
ابتسم.
بعدها بثوانٍ، مقدم الحفل طلع على المسرح.
لو سمحتم يا جماعة، عندنا إضافة خاصة لحفل النهارده. ضيف مهم انضم لينا بشكل مفاجئ، ويشرفنا نرحب بيه.
الأبواب الكبيرة اتفتحت.
دخل دانيال عزيز، المدير التنفيذي لشركة ميريديان، جنب رئيس الجامعة وعميد الكلية.
همس الحاضرون باسمه.
أبويا بص لي.
مش دي الشركة اللي عيّنتك؟
هزيت رأسي.
أيوه يا بابا.
المدير التنفيذي طلع المسرح، وسلم على المسؤولين، وبعدها وقف عند الميكروفون.
قال
إحنا في ميريديان مؤمنين إن الشركات الناجحة مش بتدور بس على الشهادات. إحنا بندور على الناس اللي عندها فضول، وصبر، وقدرة على حل المشكلات الحقيقية.
القاعة صفقت.
كمل
والنهارده، جايين نعلن عن خطوة جديدة في شراكتنا مع الجامعة، لدعم المواهب الشابة وتطوير الجيل الجديد من مهندسي الأنظمة.
قلبي كان بيدق بسرعة.
دانيال رفع ملفًا من على المنصة.
من بين مئات الطلبات اللي راجعها فريقنا، لفت نظرنا مشروع خريجة قدرت تربط بين الجانب الأكاديمي والمشككلات اللي بتواجه المؤسسات الحقيقية.
سكت لحظة، وبعدين قال
آنسة ماريان فؤاد، ممكن تتفضلي تنضمي لينا على المسرح؟
كل الرؤوس اتلفتت ناحيتي.
أبويا ابتسم بفخر.
أمي فضلت واقفة مكانها.
أما نانسي، فبصت للورق الممزق عند رجليها، وبعدها بصت للمسرح.
كانت لسه فاكرة إنها ممكن تلاقي طريقة تقنع نفسها بيها إن اللي حصل مش مهم.
لكن الإعلان اللي جاي كان هيغير كل حاجة.
الفصل الثامن العرض اللي أكبر من المرتب
طلعت على المسرح وأنا بحاول أتمالك نفسي.
دانيال صافحني، وبعدها وقف جنبي.
قال
مبروك يا ماريان. إحنا راجعنا مشروعك، وراجعنا نتائج الاختبارات والمقابلات اللي اجتزتيها، وفريقنا شايف إن عندك إمكانيات تستحق فرصة أكبر.
المقدم ناولني الميكروفون.
دانيال كمل
عرض العمل اللي وصل لك صحيح، والتعاقد تم بالفعل وفقًا للإجراءات المعتادة. لكننا كنا محتفظين بالإعلان عن اختيارك لبرنامج تطوير المهندسين المتميزين لحد النهارده.
القاعة بدأت تهمهم.
كمل
البرنامج مدته عامان، وبيجمع بين التدريب المتقدم، والعمل على مشروع تقني استراتيجي، والإرشاد المهني المباشر من كبار مهندسينا. وفي نهاية المرحلة الأولى، هيكون فيه تقييم مستقل لتحديد المسؤوليات المستقبلية لكل مشارك.
بص لي وابتسم.
وماريان من المرشحين اللي فريقنا اختارهم للمشاركة في المرحلة الأولى، بعد مراجعة فنية دقيقة.
القاعة اڼفجرت بالتصفيق.
حسيت إن عيني بتدمع.
مش لأنني بقيت مهمة فجأة، لكن لأن كل ليلة سهرتها، وكل مرة اتقال لي فيها إني بضيع وقتي، كانت واقفة قدامي في صورة حقيقة ملموسة.
دانيال سلمني شهادة المشاركة في البرنامج، وبعدها قال
لكن فيه تفصيلة تانية.
القاعة هديت.
مشروع ماريان الخاص بتحليل أخطاء البيانات كان من المشروعات اللي ساعدتنا نعيد تقييم طريقة مراقبة الأنظمة في أحد مشروعاتنا التجريبية. وبناءً على نتائج الاختبارات، قررنا نفتح لها فرصة للمشاركة في فريق متخصص، تحت إشراف مهندسين ذوي خبرة.
كان ده أكبر من اللي تخيلته.
ما كانش معناه إنني هبقى مديرة على الناس من أول يوم، ولا إن الشركة هتديني منصبًا ضخمًا من غير خبرة.
كان معناه إن فيه ناس شافوا شغلي، وقرروا يدوّني فرصة أثبت نفسي فيها.
وده كان كل اللي احتاجه.
أخدت الميكروفون وقلت
أنا بشكر الجامعة، وبشكر فريق ميريديان على الثقة. أنا عارفة إن قدامي طريق طويل، وإن الفرصة دي مش نهاية الرحلة، لكنها بدايتها. وأتمنى أكون عند حسن ظنكم.
صفق الحاضرون مرة تانية.
بصيت ناحية أبويا، ولقيته بيمسح عينيه بمنديل.
أما أمي، فكانت بتبص لي بنظرة مش قادرة أفهمها.
ونانسي كانت واقفة في مكانها، وشها شاحب.
نزلت من المسرح، وأبويا حضڼي بقوة.
أنا فخور بيكي يا بنتي. فخور بيكي أوي.
قلت وأنا بعيط
ربنا يخليك ليا يا بابا.
أمي قربت مني.
مبروك يا حبيبتي.
بصيت لها.
شكرًا يا ماما.
كانت عايزة تقول حاجة تانية، لكنها سكتت.
أما نانسي، فاختفت وسط الناس.
افتكرت إن اللي حصل في القاعة انتهى.
لكنني ما كنتش أعرف إن ټمزيق الورقة كان مجرد بداية.
لأن بعد الحفل، نانسي قررت تعمل حاجة أخطر بكتير من إنها تحاول تحرمني من فرحتي.
الفصل التاسع الكذبة اللي خرجت من القاعة
بعد الحفل بساعتين، كنت في البيت ببدّل هدومي، لما وصلني اتصال من زميلتي دينا.
قالت بقلق
ماريان، إنتِ شوفتي اللي نانسي نزلته؟
سألتها
نزلت إيه؟
قالت
بوست عنك. بتقول إنك كذبتي على العيلة، وإن الوظيفة مش حقيقية، وإنك عملتي كل ده عشان ټحرقي ډمها.
قلبي وقع.
فتحت حساب نانسي، ولقيت منشورًا طويلًا.
كانت كاتبة فيه إنها تعبت من الناس اللي بتدّعي النجاح، وإن فيه أشخاص بيستغلوا أسماء الشركات الكبيرة عشان يبانوا مهمين.
ما ذكرتش اسمي صراحة، لكنها كتبت تفاصيل كفاية تخلي أي حد يعرفنا يفهم إنها بتتكلم عني.
وفي التعليقات، كانت بترد على الناس وتقول إن جواب التعيين اتقطع، وإن ده دليل إن الموضوع كله كان تمثيلية.
ما قالتش إن هي اللي قطعته.
ولا قالت إن المدير التنفيذي أعلن عن اختياري للبرنامج.
اختارت جزءًا من الحقيقة، ولفّته بكذبة.
حسيت بالڠضب، لكنني قررت ما أردش عليها على الإنترنت.
اتصلت بأبويا.
قلت له
بابا، نانسي بتقول كلامًا مش حقيقي عني.
تنهد.
أنا شفت البوست يا بنتي.
وهتعمل إيه؟
سكت لحظة.
هكلمها.
قلت
أنا مش عايزة خناقة. بس مش عايزة حد يصدق إني كذبت.
قال
معاكي حق.
بعدها بساعة، نانسي حذفت جزءًا من المنشور، لكنها ما اعتذرتش.
ولما واجهها أبويا، قالت
أنا ما كذبتش. أنا قلت إن الورقة اتقطعت، وده حصل فعلًا.
رد أبويا
بس ما قلتيش إنك إنتِ اللي قطعتيها، وما قلتيش إن الشركة أعلنت عن تعيينها قدام الناس.
قالت
مش لازم أحكي كل حاجة.
أبويا رد بحزن
لما تختاري جزءًا من الحقيقة عشان تظهري أختك كأنها كذابة، يبقى إنتِ مش بتحكي الحقيقة.
نانسي رفعت صوتها.
طبعًا! كله بقى ضدّي! حتى إنت يا بابا!
ودخلت أوضتها وقفلت الباب.
في الأيام اللي بعدها، بدأت أركز في إجراءات شغلي.
وصلني بريد رسمي من الشركة، فيه تفاصيل البرنامج، ومواعيد التدريب، واسم المهندس المسؤول عن الإشراف عليّ.
طلبوا مني أراجع المستندات، وأكمل بعض الإجراءات، وأحضر جلسة تعريفية قبل بداية العمل.
كنت مبسوطة، لكنني كنت متوترة أيضًا.
أول مرة أحس إن حياتي هتبدأ تتغير فعلًا.
أما نانسي، فكانت بتتعامل مع الموضوع كأنني ارتكبت چريمة في حقها.
كل ما حد من العيلة يباركلي، كانت تسكت أو تغير الموضوع.
ولو حد سألها عن شغلها، كانت ترد بعصبية.
وفي إحدى الليالي، سمعتها بتقول لأمي
أنا مش هفضل طول عمري أخت ماريان الفاشلة.
أمي ردت
إنتِ مش فاشلة يا نانسي.
قالت
أمال ليه كل حاجة بتروح لها هي؟
أمي سكتت.
وبعدها سمعتها تقول
لأنها بتتعب وبتكمل، يا بنتي.
نانسي صړخت
يعني أنا ما بتعبش؟
ردت أمي
أنا ما قلتش كده.
لكن نانسي كانت خلاص قفلت ودانها عن أي كلام مش بيأكد إحساسها بالظلم.
الفصل العاشر أول يوم في ميريديان
في أول يوم شغل، صحيت قبل المنبه.
لبست بدلة بسيطة، وخدت اللابتوب، وراجعت عنوان الشركة ثلاث مرات.
لما وصلت، انبهرت بحجم المبنى، لكنني حاولت ما أظهرش توتري.
استقبلتني نادين عند المدخل.
قالت
أهلًا بيكي يا ماريان. مستعدة؟
ضحكت.
تقريبًا.
وصلتني لفريق هندسة الأنظمة، وعرفتني على المهندس المسؤول عن تدريبي، اسمه أندرو حنا، وعلى زميلين في الفريق، بيتر وريمون.
أندرو كان مهندسًا خبيرًا، معروفًا إنه دقيق وصريح.
قال لي من أول لقاء
أنا مش هطلب منك تعرفي كل حاجة. لكن هطلب منك ما تدّعيش إنك عارفة حاجة وإنتِ مش عارفاها.
هزيت رأسي.
متفقة.
كمل
وهنا، محدش هيديكِ تقييمًا كويسًا لمجرد إنك شاطرة في الكلام. الشغل هو اللي هيتكلم.
الجملة دي ريحتني.
لأنني ما كنتش عايزة حد يفضل شايفني البنت اللي اتكرمت في الحفل.
كنت عايزة أبقى مهندسة قادرة على تحمل المسؤولية.
في أول أسبوع، كلفوني بمراجعة جزء من نظام داخلي لمراقبة البيانات.
كانت المهمة محدودة، لكنها محتاجة تركيزًا.
قضيت يومين أراجع السجلات، وأختبر النتائج، وأكتب ملاحظاتي.
في نهاية الأسبوع، اكتشفت مشكلة صغيرة في طريقة تسجيل بعض الأخطاء.
ما كانتش مشكلة خطېرة، لكنها كانت بتخلي الفريق يضيّع وقتًا في مراجعة تنبيهات غير مهمة.
عرضت ملاحظاتي على أندرو.
راجعها، وبعدها قال
إنتِ متأكدة من النتيجة دي؟
قلت
أيوه، كررت الاختبار على أكتر من مجموعة بيانات.
طلب مني أشرح الطريقة.
شرحتها، ففتح جهازه وراجع النتائج بنفسه.
بعد دقائق، قال
كويس. اكتبي تقريرًا واضحًا، ونناقش التعديل مع الفريق.
ما كانش تصفيقًا ولا احتفالًا.
لكنه كان أول اعتراف حقيقي بقدرتي على الشغل.
وفي نهاية الشهر، بدأت أحصل على مهام أكبر.
كنت أتعلم كل يوم، وأغلط أحيانًا، وأرجع أصلح أخطائي.
وفي البيت، بدأت أساعد أبويا في بعض المصاريف، وسددت جزءًا من القروض الدراسية.
اشتريت لابتوب جديدًا.
ولأول مرة من سنين، قدرت أخرج مع أصحابي من غير ما أكون بحسب كل جنيه في جيبي.
كنت مبسوطة.
لكنني ما كنتش أعرف إن نانسي لسه بتراقب كل خطوة بعملها، وإنها بدأت تقارن حياتها بحياتي بشكل أخطر من قبل.
الفصل الحادي عشر الفرصة الثانية لنانسي
بعد شهرين من بداية شغلي، حصلت نانسي على مقابلة في شركة إعلانات صغيرة.
كانت فرحانة جدًا، وفضلت تتكلم عن الوظيفة طول الأسبوع.
في يوم المقابلة، رجعت البيت وقالت
أنا شبه متأكدة إنهم هيقبلوني.
أمي حضنتها.
يا رب يا حبيبتي.
أبويا قال
بس لو اتقبلتي، خلي بالك من مواعيدك والتزاماتك.
نانسي اتضايقت.
هو إنتوا هتفضلوا تفكروني بالشغل القديم طول عمري؟
رد أبويا
أنا بقول لك عشان ما تكرريش نفس الغلط.
قالت
أنا اتغيرت.
بعد أيام، اتقبلت فعلًا.
كانت الوظيفة بمرتب متوسط، لكنها بداية كويسة.
فرحت لها بصدق، وقلت لها
مبروك يا نانسي. أتمنى تنجحي المرة دي.
بصت لي بشك.
بتقوليها بجد؟
قلت
طبعًا. أنا مش عايزة لك غير الخير.
هزت رأسها، لكنها ما ردتش.
في أول أسبوع، كانت ملتزمة.
لكن بعد فترة، بدأت ترجع متأخرة، وتشتكي من مديرتها، وتقول إن الشغل ممل، وإن زملاءها مش بيقدّروا أفكارها.
أمي كانت بتحاول تبرر