التلاجه

من 3 سنين، غيث قال لي إنه عمل حساب بنكي مخصص لي عشان يصرف عليا ويأمنني:

“رانيا هي اللي هتنظم كل حاجة يا بابا، أنت متوجعش دماغك.”

أنا افتكرت إن الفلوس دي متشالة عشان لو حصلت ظروف، أو للمستقبل. رانيا كانت دايماً بتكلمني بنبرة ناعمة زي الحرير:

“يا بابا إبراهيم، أنت خلاص كبرت ومفيش داعي تشيل هم مصاريف ولا فواتير، غيث عايز يرتاح من ناحيتك.”

بس الراحة عمرها ما جلتش..

اللي جه كان فواتير متأخرة، وبرد بياكل العضم، وزيارات مستمرة للجمعية عشان أخد أرز وزيت وعلبة شوربة.

في اليوم ده، غيث جالي من غير ما يقولي. كان متخانق مع رانيا لأنها كانت عاوزة توديه يتغدى في الشيخ زايد، بس هو قرر يعدي عليا الأول.

واللي شافه مكنش نهائي الحياة اللي هي كانت بترحيلوا عنها.

رانيا اتكلمت بسرعة:

“إبراهيم بيك.. أنت رجعت الشقة دي تاني؟!”

غيث لف ليها: “رجعت تاني يعني إيه؟”

اخدت نفس عميق ووسعت عينيها بحزن تمثيلي:

“حبيبي.. أنا مكنتش عاوزة أنكد عليك النهاردة. باباك بقاله فترة متلخبط وبيعاني من النسيان.. أنا حجزت له في دار رعاية راقية جداً في 6 أكتوبر، بس هو بيصر يهرب ويرجع يقعد في الشقة القديمة دي. أنا حتى كلمت دكاترة عشان يشوفوا حالته.”

حسيت إن الأرض بتلف بيا.

“أنتي كدابة!” قلتها بصوت طالع بالعافية.

قربت من غيث ومسكت إيده: “هو بيجيله نوبات.. وبيفتكر حاجات مأصلتش.”

غيث بص لي بنظرة مكسورة فيها خوف وشفقة.. النظرة دي جرحتني أكتر من أي كلمة.

في اللحظة دي، تليفون غيث رن.. مكالمة شغل مستعجلة، فطلع الصالة بره يرد. أول ما الباب اتقفل، رانيا قربت مني، وريحة برفانها الغالي مكنتش قادرة تغطي على السم اللي طالع من كلامها:

“بلاش تصعّب الموضوع يا إبراهيم بيك.. الورق جاهز خلاص، وأول ما غيث يقتنع إنك مش قادر تدير أمورك، كل حاجة هتتم.”

بصيت لها بثبات: “ورق إيه؟”

ابتسمت ابتسامة خفيفة: “الورق اللي بيحمي العيلة من خرفك.”

في اللحظة دي.. المحاسب والمراجع اللي جواه كان مدفون تحت التعب، صحي فجأة.

لما غيث دخل، عملت حركة وجعت قلبي أنا شخصياً.. طأطأت راسي، وخليت إيدي ترتعش، وقلت بصوت متقطع:

“هي أمك ماجدة تأخرت ليه يا غيث؟ مش جاية تتعشى معانا؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *