حبست مراتي حكايات زيزي
وفي إيدها كشاف صغير، وبتنادي بصوت واطي
أندرو… إنت فين يا حبيبي؟
ما رديتش.
سمعتها بتدخل الأوضة، وتفتح الأدراج، وتحرك الكرسي برجليها.
وبعدين قالت جملة خلت جسمي كله يتجمد
يا رب يكون ما لقاش الملف… لو شافه، كل حاجة هتضيع.
الملف!
استنيت لحد ما خطواتها ابتعدت، وبعدها خرجت من مخبئي وبدأت أفتش الأوضة پجنون.
فتحت الأدراج واحد ورا التاني، وقلّبت الورق القديم، لحد ما لقيت صندوق معدني صغير مخبي تحت لوح خشب مفكوك.
الصندوق كان مقفول، لكن المفتاح كان مربوط بخيط أسود في رجل الترابيزة.
فتحته.
جواه كانت فيه شهادات ميلاد، وصور قديمة، وخطابات مكتوبة بخط إيد أمي.
لكن فوق كل الورق، كان فيه ملف بني مكتوب عليه اسمي بالكامل.
أندرو مايكل هاريسون.
فتحت الملف، وأول ورقة شفتها كانت صورة من شهادة ميلادي.
بصيت للتاريخ، وبعدها بصيت لاسم المستشفى.
كل حاجة كانت طبيعية، لحد ما لاحظت إن فيه ملاحظة مكتوبة بالقلم الأحمر في أسفل الصفحة
تم تعديل بيانات الملف بناءً على طلب ولي الأمر.
قلبي بدأ يدق أسرع.
قلبت الورقة، فلقيت صورة من مستند تاني، صادر من نفس المستشفى، لكن باسم مختلف.
اسم طفل تاني.
ونفس تاريخ الميلاد.
ونفس ساعة الولادة.
ونفس اسم الأم!
رجعت خطوة لورا، وأنا حاسس إن الأرض بتتحرك من تحتي.
إزاي طفلين ليهم نفس الأم ونفس تاريخ الميلاد، لكن بأسماء مختلفة؟
وتحت المستند، لقيت خطاب قديم بخط إيد أمي، مكتوب من أكتر من تلاتين سنة.
كان موجّه لشخص اسمه الدكتور ريتشارد كولينز.
بدأت أقرأ
دكتور ريتشارد،
أنا نفذت اللي اتفقنا عليه، لكن لازم أتأكد إن مفيش أي نسخة تانية من الأوراق القديمة وصلت لأي حد.
أندرو ماينفعش يعرف إن…
وهنا، كان الخطاب مقطوعًا من النص، كأن حد تعمد ېمزق الجزء اللي فيه أهم معلومة.
قلّبت الملف كله، لكن مفيش باقي للخطاب.
بدلًا منه، لقيت صورة قديمة لأمي وهي واقفة قدام مستشفى، وشايلة طفل رضيع بين إيديها.
وفي خلفية الصورة، كان فيه راجل واقف بعيد، وشه متعلم عليه بدائرة حمراء.
على ضهر الصورة، كانت فيه جملة واحدة
الولد اللي رجع البيت مش هو الولد اللي خرج من المستشفى.
وقعت الصورة من إيدي!
سمعت صوت أمي فجأة من ورايا
حط الورق ده مكانه يا أندرو.
لفيت ببطء.
كانت واقفة عند مدخل الأوضة، والكشاف في إيدها، ووشها شاحب لأول مرة في حياتي.
ما صرختش، وما حاولتش تبرر.
بصت للملف وقالت
إنت مش فاهم إنت بتبص على إيه.
رفعت الصورة قدامها وسألتها بصوت مبحوح
مين الطفل التاني يا أمي؟
فضلت ساكتة.
قربت منها خطوة وقلت
ومين اللي رجع البيت؟ أنا ولا هو؟
عينيها اتمَلَت بالدموع، لكنها ما ردتش.
بدل كده، بصت ورايا ناحية الباب الحديد، وقالت
قبل ما تسأل عن نفسك، لازم تعرف إن سارة ما اختفتش لوحدها.
حسيت ببرودة بتسري في ضهري.
يعني إيه؟ سارة فين؟!
أمي غمضت عينيها، وبعدها همست
الليلة اللي حبستها فيها، ماكنتش أول مرة تدخل فيها الممر ده… سارة كانت اكتشفت المكان من أسابيع، وكانت بتدور على شخص معين.
مسكت دراعها وقلت
مين الشخص ده؟!
سحبت دراعها مني، ورفعت عينيها ليا.
أبوك يا أندرو.
اتسمرت مكاني.
أبويا ماټ من خمس سنين، وكنت فاكر إني عارف كل حاجة عن آخر أيامه.
لكن أمي قالت جملة بعدها خلتني أحس إن كل ذكرياتي ممكن تكون مبنية على كڈبة
أبوك ما ماتش زي ما إحنا قلنا لك… وقبل ما يختفي من حياتنا، ساب لسارة دليل يثبت مين إنت فعلًا.
وفجأة، سمعنا صوت تلات خبطات جاية من ورا الحيطة اللي في آخر الأوضة.
خبطتين سريعتين…
وبعدهم خبطه طويلة.
أمي شهقت، والكشاف وقع من إيدها.
لأنها عرفت الإشارة دي.
وأنا كمان، رغم إني عمري ما سمعتها قبل كده، حسيت إن فيه حد واقف في الناحية التانية من الحيطة، مستنيني أفتح له.
جريت ناحية الصوت، وبدأت أزق الألواح الخشبية اللي مغطية الجزء الخلفي من الأوضة.
وأمي كانت بتصرخ ورايا
أندرو، إياك تفتح الباب ده! مهما سمعت، ماتفتحوش!
لكن المرة دي، ماكنتش هسمع كلامها.
شلت آخر لوح خشب، وظهر قدامي باب صغير، وعليه ورقة متثبتة بمسمار.
الورقة كانت مكتوبة بخط سارة.
قربت منها، وقرأت أول سطر
لأندرو… لو وصلت لحد هنا، يبقى أمك كذبت عليك في أهم حقيقة في حياتك، وفيه شخص جوه البيت ده مستني اللحظة اللي هتكتشف فيها الحقيقة.
وتحت الجملة، كانت كاتبة عنوان مكان وتوقيت محدد.
وبمجرد ما قريت التوقيت، بصيت في ساعتي…
كان فاضل أقل من عشر دقايق!
يتبع…
مسكت الورقة بإيد بتترعش، وقرأت العنوان المكتوب عليها مرة واتنين.
كان عنوان مخزن قديم على أطراف سافانا، والتوقيت المكتوب جنبه هو الساعة ستة الصبح.
بصيت في ساعتي، وكانت الساعة خمسة واثنين وخمسين دقيقة!
يعني فاضل تمن دقايق بس.
لفيت ناحية أمي وصړخت
إيه اللي موجود في المكان ده؟! سارة راحت هناك؟!
أمي كانت واقفة مكانها، ووشها بقى أبيض زي الورق.
قالت بصوت متقطع
أندرو، اسمعني كويس. لو خرجت من البيت دلوقتي، مش هتقدر ترجع لحياتك القديمة أبدًا.
ضحكت ضحكة عصبية، وأنا برفع الملف قدامها.
حياتي القديمة؟! إنتِ مخبية عني حقيقة ميلادي، ومراتي اختفت من أوضة إنتِ اللي أجبرتيني أحبِسها فيها، ولسه عايزاني أصدقك؟!
أمي قربت مني ومدت إيدها ناحية الملف.
الورق ده مش دليل على اللي إنت فاكره!
رجعت لورا وقلت
يبقى تعالي معايا ونشوف الحقيقة سوا.
لكنها هزت راسها پعنف.
لأ! المكان ده خطړ!
وفي اللحظة دي، موبايل سارة اللي كان في جيبي اهتز فجأة.
رسالة جديدة ظهرت على الشاشة من رقم مجهول.
أندرو، لو وصلت للمخزن، ماتدخلش من الباب الرئيسي. بص فوق الباب الحديد، هتلاقي العلامة اللي أبوك سابهالك. ولو أمك معاك، ماتخليهاش تشوفها.
بصيت لأمي.
كانت مركزة في الموبايل، وكأنها بتحاول تقرأ الرسالة من مكاني.
قفلت الشاشة، وخبيت الموبايل في جيبي، وخرجت من الممر من غير ما أقول كلمة.
سمعتها بتنادي عليّا، لكني ماوقفتش.
لأول مرة في حياتي، كنت مستعد أواجهها بدل ما أهرب من ڠضبها.
ركبت عربيتي وانطلقت ناحية العنوان.
طول الطريق، كان سؤال واحد بيلف في دماغي
مين أنا فعلًا؟
وليه سارة عرفت سر عيلتي قبلي؟
ولما وصلت، لقيت المخزن واقف وسط أرض مهجورة، حواليه سور حديد صدئ، والبوابة الرئيسية مقفولة بسلسلة ضخمة.
بصيت في ساعتي.
خمسة وتسعة وخمسين دقيقة.
نزلت من العربية، ولفيت حوالين المبنى لحد ما وصلت لباب حديد جانبي.
رفعت راسي وبصيت فوقه.
وهناك، شفت العلامة اللي الرسالة قالتلي عليها.
ثلاث دواير متداخلة، وتحتهم حرفان محفوران في الحديد A و M.
نفس الحرفين اللي كانوا محفورين على ظهر ساعة أبويا القديمة، اللي أمي احتفظت بيها بعد ۏفاته ورفضت تديني إياها.
مديت إيدي ولمست العلامة.
وفجأة، سمعت صوت تكة جاية من جوه الباب.
القفل اتحرك لوحده!
دفعت الباب بحذر، ودخلت.
المخزن كان مليان صناديق خشب قديمة، ورفوف عليها ملفات مغطاة بالتراب، وفي آخره كان فيه مكتب صغير، فوقه لمبة صفرا بتنور وتطفي.
لكن أكتر حاجة لفتت نظري كانت كرسي موجود في نص المكان.
وعليه كانت قاعدة سارة!
سارة!
جريت ناحيتها، ولما قربت، لقيتها شاحبة ومرهقة، وفيه چرح صغير فوق حاجبها، لكن عينيها كانت مفتوحة.
كانت عايشة!
نزلت على ركبتي قدامها وقلت بصوت مخڼوق
أنا آسف… والله أنا آسف. أنا مش عارف إزاي صدقت أمي وسِبتك لوحدك.
سارة بصتلي فترة طويلة من غير ما ترد.
وبعدين قالت بصوت هادي، لكنه وجعني أكتر من أي صړخة
إنت ما سبتنيش لوحدي يا أندرو. إنت بنفسك حپستني.
نزلت راسي، ومقدرتش أبص في عينيها.
حاولت أفك الرباط اللي كان حوالين إيديها، لكنها سحبت إيديها فجأة.
استنى.
بصيتلها باستغراب.
قالت
قبل ما تفكني، لازم تعرف إني ماجيتش هنا عشان أهرب