سبايك الدهب حكايات مني السيد

قربت من حماتي وقالت لها بصوت حنين بس مليان شموخ:
— يا سعاد يا اختي.. أنا لما جيت من الزقازيق، ما جيتش عشان أزاحمك في ابنك ولا أخد منك حاجة. جيت أشوف بنتي مبسوطة ولا لأ. وكنت بنام في الأوضة الصغيرة والصيف بيحرقني وأنا ساكتة، عشان ما أعملش مشكلة بين بنتي وجوزها. لكن إنك تشوفي بنتي حصالة فلوس، وتتأمري عليها انتِ وابنك عشان تاخدوا شقاها وتهينوا كرامتها.. يبقى ربنا ما يرضاش بكده. وبنتي اللي تربت على الحلال.. ما تقعدش مع اللي بياكل الحرام.
كلمات أمي كانت زي الصاعقة اللي نزلت على الصالة. حماتي ما قدرتش ترد كلمة واحدة، ونزلت عينها في الأرض بكسرة حقيقية.
أمي مسكت إيدي وقالت:
— يلا يا مريم يا بنتي.. الشروق بيطلع، خلينا نرجع بلادنا ونبدأ من جديد. الطيبين للطيبات، واللي يسيب الحرام ربنا بيعوضه بأحسن منه.
بصيت لأحمد وقلت له الكلمات الأخيرة:
— الشنط قدامك نص ساعة تطلمها يا أحمد. البواب والشرطة الهندسية هيبقوا هنا الساعة تمانية يغيروا الكالون. الفلوس اللي خدتها أمتك هترجعلك أو مش هترجعلك دي مشكلتك. والقرض أبو تسعة وأربعين ألف سدده من مرتبك أبو أربعين ألف، وشوف هتعيش ازاي.
دخلت الأوضة، لمت بقية حاجتي الشخصية وحاجة أمي في شنطة واحدة.
خرجنا الصالة، كان أحمد قاعد في الأرض مستسلم تماماً، وحماتي بتلم في أكياس المحلات الشيك والطقم الجديد اللي اشترته بكارتي، بس الابتسامة اللي كانت على وشها الصبح اختفت تماماً وحل مكانها كابوس الخراب اللي قادم.
أمي مسكت إيدي ونزلنا على السلم.
أول ما فتحت باب العمارة، كانت الشمس بتاعة الصباح بدأت تشرق على شوارع مدينة نصر. الهواء كان بارد ونقي، وشعور المظلوم لما بياخد حقه وبيرمي الحمل من على كتافه كان بيسري في دمي زي الشفاء.
وصلنا الموقف، أخدنا عربية للزقازيق.
وفي الطريق، وأنا قاعدة جنب أمي، ومسكة إيدها الدفية.. الموبايل رن.
كان الأستاذ عصام المحامي:
— ألو.. أيوة يا مدام مريم. جمعت كل الأوراق، وقدمنا طلب الطلاق للضرر، وأنا حالياً مع رجال الشرطة قدام العمارة بننفذ قرار الطرد والتمكين الفردي، وأحمد بيه ووالدته بيلموا شنطهم في الشارع قدام الجيران كلهم. وبخصوص الشيكات والقرض، البنك أخد إجراءاته القانونية برفض التضامن وتحويل الق\ضية للنيابة ضد أحمد شخصياً.
تنهدت بعمق، وقلت له:
— شكراً يا أستاذ عصام. كمل كل الإجراءات بالقانون، وأنا مش هتنازل عن جنيه واحد من حقي.
قفلت السكة، وبصيت من شباك العربية على الغيطان الخضرا الممتدة على طريق الزقازيق.
أمي بصت لي وابتسمت، وطلعت من جيبها علبة الدهب الصغنونة اللي فيها الخمس سبايك، وحطتها في إيدي:
— خدي يا مريم يا بنتي.. خليهم معاكي، هاتي بيهم الشقة اللي انتِ عايزاها. أنا مش محتاجة دهب يا بنتي، أنا كفايتي إنك رجعتي لي سالمة وعقلك في راسك.
مسكت إيد أمي وبستها بحب:
— لأ يا أمي.. الدهب ده حقك وتعبك ورضاكي عليا. والأيام الجاية أحلى بكثير.. الشقة الجديدة هتبقي باسمك انتِ، وهنقعد فيها ونشرب الشاي بالنعناع وننسى كل أيام النكد والغدر.
وصلنا الزقازيق.. كانت حارتنا القديمة، وبيتنا البسيط، والناس الطيبين بيسلموا علينا بابتسامة حقيقية مش مزيفة.
بعد شهرين بالظبط..
كان حُكم الطلاق للضرر صدر لصالحي نهائياً.
وأحمد؟ أحمد اضطر يبيع حتة الأرض بتاعة أمه بأرخص الثمن عشان يسد جزء من شيكات حسين العريان، ومرتبه اتقص منه أكتر من نصه لصالح أقساط القرض، وعايش دلوقتي في شقة إيجار قديمة ومكركبة مع أمه، وبيشتغل شغلتين في اليوم عشان بس يقدر يسد ديونه وما يدخلش السجن.
أما أنا.. فنقلت شغلي، واشتريت بيت صغير بحديقة جميلة في أطراف الزقازيق لأمي، ودخلت في استثمارات حقيقية وناجحة بفلوسي ومجهودي، من غير ما يكون فيه بني آدم يستغلني أو يمص دمي باسم “الزوجية” أو “الأهلي”.
تعلمت إن القوة مش إنك تستحمل الظلم وتسكت عشان “البيت ما يتخربش”.. القوة الحقيقية هي إنك تعرف أمتى ترمي الزبالة بره حياتك، وتعرف إن أمك هي العوض الحقيقي والوحيد اللي يستاهل كل نقطة عرق، وأن الحق مهما اتأخر.. لازم يرجع لأصحابه ويكون النصر للصبورين!
تمت…

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *