ليله الطلاق
على أي حرف، فيه مستندات جديدة لازم تطلع عليها بنفسك، وتشوف ثمرة تعب السنين دي راحت فين.
رأفت كشّر عيونه بضيق وقال بعصبية مصطنعة إيه الكلام الفارغ ده يا فندم؟ إحنا جايين نمضي اتفاقية تراضي وتسوية تم الاتفاق عليها، ومش هقبل بأي تعطيل مقصود!
فريدة مابتسمتش، بل مدت إيدها بالملف وقالت بنبرة حادة تسوية إيه اللي بتتكلم عنها وأنت مفلس الحسابات ومهرب أكتر من مليون ومېت ألف دولار على حسابات سرية باسم شركة وهمية مملوكة لشاهيناز ممدوح، المديرة المالية المساعدة في شركتك؟
لون وجه رأفت انقلب فجأة من الأبيض للأصفر، ومن الأصفر للأحمر الداكن. حس إن الأرض بتلف بيه، وبص لمحيطه بعين فزعة، وقال بصوت متهدج إيه الهبل ده؟! دي أكتر من افتراءات وأكاذيب… أنتي بتخرفي إيه؟!
في اللحظة دي، انفتح باب المكتب وفجأة دخل موظفان من مباحث الأموال العامة ومعاهم محضر رسمي وقرار نيابة مباشر.
قال ضابط الشرطة بصوت جاد وقاطع رأفت إبراهيم مهران؟ معنا أمر إحضار وتفتيش عاجل، وتحفظ على كافة الأرصدة والحسابات البنكية والعقارية بناءً على بلاغ رسمي مقدم من المدعوة جيهان محمود وبدعم مستندي كامل يؤكد تورطك في عمليات إخفاء أموال وغسيل أموال وتهريب أصول زوجية.
المكتب كله اتسمر في مكانه. محامي رأفت بص لعميله پصدمة بالغة، ولمל شاف الوثائق الرسمية والأختام القضائية، لمت أوراقه بسرعة وقال لرأفت بصوت حاد لو الكلام ده صحيح، أنا فك ارتباطي بموكلي فوراً، وماقدرش أمثل حد في قضايا بالشكل ده.
رأفت حاول يقف، ورجليه كانت بتخبط في بعضها، وبص لجيهان بملامح كلها ترجي وتوسل، وقال بصوت مكتوم ومرتجف جيهان… عشاني، عشان مريم بنتنا… ما تعمليش فيا كدة! دي كانت غلطة، شيطآن وسوس لي… تعالي نتفاهم في البيت، بلاش الڤضيحة دي قدام الناس!
جيهان وقفت بكل هيبة وثبات، وبصت له بعيون مليانة دموع ولكنها قوية وثابتة كالصخر، وقالت بصوت مسموع وواضح لكل شخص في الغرفة
مريم بنتي في رقبتي، وأنا عشت أربعتاشر سنة بشتغل وأضحي عشان بيتنا يفضل واقف على رجله، وأنت بكل سهولة كنت بتبيعنا عشان رغباتك وطمعك. زي ما اخترت طريق الخېانة والسړقة، استحمل بقى نهايته.
الجزء الرابع بداية جديدة وحياة من ركام الماضي
الساعات اللي بعد كده كانت أشبه بفيلم سينمائي سريع. القبض على رأفت تم في الحال، وتفتيش مكتبه في الشركة أفرز عن مستندات أكتر بكتير مما كانت فريدة متوقعة. شاهيناز نفسها تم استدعاؤها للتحقيق، واتضح إنها لم تكن سوى شريكة في شبكة تلاعب مالي ضخمة كان رأفت بيديرها مستغلاً منصبه كمدير مالي، والفلوس اللي اتهربت مكنتش بس أموال الأسرة، دي كانت كمان شبهات فساد داخل الشركة الكبيرة اللي كان شغال فيها.
بعد أسابيع من الجلسات الماراثونية في محكمة الأسرة
والجنايات، صدرت الأحكام الأولية لصالح جيهان
طلاق بضرر كامل يضمن لها
ولابنتها مريم كافة حقوقهم المالية والشرعية بأثر رجعي.
استرداد كافة الأموال المهربة وتجميد الأصول والشركات الوهمية وتحويلها لحساب بنكي مؤمن باسم مريم وجيهان تحت إشراف قضائي مباشر.
حضرة رأفت وهو وراء القضبان، ينتظر محاكمته الجنائية پتهم الڼصب وغسيل الأموال وخېانة الأمانة.
في ليلة صيفية هادئة، بعد حوالي ست شهور من الليلة المرعبة اللي بدأت بيها الحكاية، جيهان كانت قاعدة في بلكونة بيتهم الجديد. الشقة كانت أصغر شوية، بس كانت مليانة ضوء ورائحة حياة حقيقية. شنطة مريم المدرسية كانت متعلقة على الباب، وريحة القهوة الطازة كانت مالية المكان.
مريم خرجت من أوضتها، وحضنت مامتها من ضهرها وقالت بابتسامة واسعة يا ماما، تصدقي إن الأوضة الجديدة أحسن بكتير من القديمة؟ حاسة إن البيت هنا منور بجد.
التفتت جيهان لبنتها، وبستها على جبهتها وقالت بصوت دافئ ومطمئن طبعاً يا حبيبتي… النور الحقيقي بيطلع من جوه الإنسان لما يعرف قيمته وما يقبلش أبداً إنه ينكسر.
جيهان بصت للسما الصافية، وتذكرت تلك اللحظة اللي تليفون رأفت نور فيها برسالة شاهيناز. في ذلك الوقت، افتكرت إنها نهاية حياتها، لكنها في الحقيقة كانت الصدمة اللي صحت لها روحها، وخلتها تعرف إن المرأة القوية مش هي اللي بتتحمل الظلم بصمت، بل هي اللي بتعرف إمتى تكتب فصل جديد ونظيف لحياتها وحياة أولادها، فصل لا مكان فيه للخداع ولا للخېانة.